الناس بثوب غيره، ولو نازعه صاحب الثوب لتقلب في الورى عريانًا، وإن ظن أنه كاس فلا ينفعه ظنه وعوره باد لكل ذي عينين.
يقول القائل [1] :
كن ابن من شئت واكتسب أدبًا ... يُغْنِيكَ مَحْمُودُهُ عَنِ النَّسَبِ
فليس يغني الحسيب نسبته ... بلا لسانٍ له ولا أدب
إن الفتى من يقول ها أنا ذا ... ليسَ الفَتَى مَنْ يقولُ كان أبي
لأجل ذلك يكابد ويكدح العظماء، وتركن إلى الدَّعة والراحة الدهماء، ويظنون أنهم عن الكد والتعب في غناء، بل يؤملون أن ينبت زرعهم بلا ري، ولا ماء تواكلًا لا توكلًا، فانظر إلى ما نحن فيه من بلاء وابتلاء!.
وطائفة أخرى لا هم لها إلا ردم كلِّ مزهرٍ، وقتلَ كلِّ مشفقٍ منذر، فترى معاول الهدم في أيديهم تريد أن تهدم الحقَ أو تطمر؛ حسدًا أو بغضًا له من أن يعلو أو يظهر، وهؤلاء أعداء النجاح، وهذا حالهم دائمًا لا يخفى على كل ذي لب أو من يبتغي الصلاح والفلاح.
فكان البلاء والعناء من نصيب أهل الوفاء والصفاء، غير أنه أيضًا بابهم المشرع دائمًا لبلوغهم عنان السماء، ويبقى أهل الرّغام على الرغام يكابدون حسرتهم، ويحترقون بنار حسدهم على الدوام.
فقد ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوله:"إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءَ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ" [2]
(1) يقال أن القائل هو: علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -.
(2) صحيح أخرجه الإمام أحمد في مسنده (6/ 369) ، وصححه الألباني - رحمه الله - في الصحيحة برقم (150) .