أمريكا اليوم هي أقرب ما تكون لأمريكا الأمس، أي أنها ذات وجهين، فمن جهة هناك الوجه الذي تحاول أمريكا بكل قواها إبرازه للعالم. وبما أنها أرادت لنفسها أن تكون ابتكارًا شاملًا وتجديدًا كاملًا وإعادة بناء انطلاقًا من خطة إلهية لذلك وجدت في نفسها مكان اللقاء مع الفردوس حيث بدء التكوين، الفردوس الضائع الذي طالما تكلم عنه الأدب الأوروبي. هو المكان الذي يمارس الناس فيه نقاوتهم حيث يعيدون أمجاد العصر الذهبي، أما الناس الذين سيقيمون فيه سوف يجدون البراءة الأولى محاطين بهالة من السلام والوئام الملازم للطبيعة المعطاء قبل العقد الاجتماعي. أمريكا هذه هي إذن القدس الجديدة، الكون الموجود خارج التاريخ نتيجة تضافر إرادتين: الإرادة السماوية وإرادة الشعب الذي اختارته السماء لتنفيذ هذه الإرادة. وسوف يوضح جورج واشنطن هذه الفكرة عن التدخل الإلهي بواسطة تصور مشهور استعاره بدون شك من آدم سميث فقد قال في مقالته Inaugural Adverse « لا يوجد شعب في العالم أكثر من شعب الولايات المتحدة مطالب أن يشكر الله ويعبد اليد الخفية التي سيرت قضايا الناس. فكل خطوة سمحت له بالسير على طريق الاستقلال القومي كانت تحمل علامة التدخل السماوي» . أما بالنسبة للرئيس جون أدمز
(1735-1826) فإن الولايات المتحدة هي المكان الذي قدر له أن يكون الحيز الذي سوف تتحقق فيه سعادة العرق البشري. أما بالنسبة لكل الأمريكيين كانت أمريكا المكان المخصص مسبقًا والملجأ الذي تنتقل إليه الحضارة من مرحلة انتقال نحو الأممية وتحرر الكرة الأرضية بمجملها. هنا سوف تتحقق حقوق الإنسان وهذا الإنجاز سيؤدي لولادة مجموعة دولية يقودها الشعب الوحيد الذي يستحق هذا الشرف. أمريكا هي الرحلة المثلى لتحقيق مبدأ الأمة الذي سيتوطد بواسطة نصوص مقدسة (إعلان الاستقلال و الدستور) وبواسطة المشاعر الوطنية في كل مكان. وحكومته هي الوحيدة التي لم يسبق لله أن أيد مثلها.