[10] - أن عقيدة الصوفية الأوائل في التوكل تنفى عنهم تهمة التواكل والاعتماد على الجبرية الإلهية ، فهم نظروا للأسباب على أنها أدوات بيد القدرة لتنفيذ مراد الله ، فليس لها فاعلية مستقلة عن فعل الله ولكن الله نظمها لإبراز الحكمة من خلق السماوات والأرض فجعل في الأشياء أسباب حق وأواسط صدق تحتجب من خلالها صفاته الفاعله عن الخلق ليبتليهم .
فالجوارح تتوجه عندهم إلى الأسباب والقلب يتوجه إلى الله على الدوام راضيا بما سيمنحه الله له من خزائن القدرة ، ومن ثم فإن نفوسهم تسكن إلى الله قبل كل شئ سواء كان الرزق بأسباب أو بغير أسباب ، وهذا المفهوم يعد بحق معبرا عن عقيدة السلف الصالح المبنية على القرآن والسنة في إظهار دقائق التوحيد ونفى الشرك الجلى والخفى في السكون إلى الأسباب أو نسبة الإيجاد والامداد إليها .
وكما أنهم أثبتوا وجهين لإرادة الله كذلك أثبتوا وجهين للأفعال البشرية ، وجه الفعل فيه مخلوق لله ، ووجه الفعل فيه مكتسب للعبد يمثل سلوكا خلقيا له ، فبالوجه الأول يظهر معنى كونهم مربوبين لله ، وبالوجه الثانى يظهر معنى كونهم متعبدين بمنهج الله .
وكل ذلك موافقة لقوله تعالى: ( فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى ) (1) .
[12] - أنهم أثبتوا العلم كمقوم ثالث للحرية ، فالإنسان معذور بجهله عندهم حتى يعلم الأحكام ويعقل مدلول الكلام ، وفى إيمانهم بتعليم الله لآدم الأسماء دعوة إلى العلم والبحث والنظر واستخدام العقول لخدمة دين الله وبما يعود على العبد من الوصول إلى مرضاة الله .