ومن ثم فإن بعض أوائل الصوفية لما بالغوا في تحقيق العبودية وتكلفوا أمور السعة والتخيير على وجه الإلزام ، وأسقطوا النظر إلى الدرجات الحكمية السابقة ، لم تطرد المبالغة ولم تنسحب على مختلف الأحكام فبرز جانب على حساب آخر ، ففى الوقت الذى ظهرت المغالاة في بعض العبادات كالصلاة والصوم والذكر وبعض النواحى الأخرى لم تظهر همتهم في تعبيد الدنيا واستخلافها وإعداد القوة لإرهاب العدو والجهاد في سبيل الله وتنظيم الروابط الأسرية والاجتماعية بل أثروا الرباط والخلوة والسياحة في البوادى وقام بالأمور الأخرى غيرهم .
والقصد من ذكر هذا الكلام التنبيه على ضرورة اتباع السنة في تحقيق معنى الحرية والالتزام بمنهج العبودية بمختلف أحكامه وأن هذا هو الوضع الأمثل لتحقيق السعادة في الدارين كما قال سبحانه: { فإما يأتينكم منى هدى فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى } (1) .
ــــــــــــــــــــــــ
1-طه /123 .
وأن بعض أوائل الصوفية جعل العبودية اضطرارا لاختيار فيه (1) .
أو كما قال الآخر: ( من ادعى العبودية وله مراد باق فيه فهو كاذب في دعواه ) (2) .
* العبادة وتعلقها بالقلب واللسان والجوارح حال الغلو:
الأمر النهى
القلب اللسان الجوارح
ــــــــــــــــــــــــ
1-قائل هذه العبارة هو عبد الله بن محمد بن منازل وكنيته أبو محمد صحب حمدون القصار وأخذ عنه طريقته وأسند الحديث مات بنيسابورسنة 329 هـ انظر طبقات الصوفية ص336 والرسالة القشيرية حـ1 ص163 وشذرات الذهب حـ2 ص330 وانظر في قوله السابق طبقات الصوفية ص 368 .