ولقد ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى الإنفاق لغزوة تبوك فجاء أبو بكر بماله كله ولما سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عما ترك لعياله أجابه: تركت لهم الله ورسوله. وجاء عمر، بنصف ماله، وعثمان بعشرة آلاف ثم جاء جابر بن عبدالله بحفنة من بر وهي كل ما يملك، فكان ذلك منهم - رضي الله عنهم - تنفيذًا لأمر الله تعالى. وطاعة لرسوله صلى الله عليه وسلم وحراسة للدعوة الإسلامية وتمكينًا لها.
والظن بالناس والمال دليل على قصر الإنسان وخسته، فما دامت النفس ستذهب في يوم ما لا محالة {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ} (الزمر: 30) ، {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ المَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} (النساء: 78) وما دام المال وديعة في يده استخلفه الله تعالى فيه، وجعله قيمًا عليه يصرفها في الوجوه التي حددها له، ولابد من أنه سيتركه بل وسيحاسب عليه فلم التمسك بهما إذًا؟ الإنسان مصيره الحتمي إلى الموت فلم لا يموت في ساحة الشرف؟ والمال زائل لا محاله فلم لا ينفق في أوجه الخير. ولا يعفي منه إلا: الضعيف الذي لا يستطيع حمل السلاح كالنساء والأولاد، والمريض الذي لا يستطيع الجهاد كأصحاب العاهات والأمراض المزمنة، ومن كان من أصحاب العاهات يستطيع القيام بمساعدة الجيش فيلحق به ويطلق عليه اسم (جندي غير مسلح) .
وهذا مستمد من قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى المَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ} (التوبة: 91 - 93) .