ومراده (رحمه الله) بـ (لسان العرب) هو: (مصطلح العرب ومذاهبهم في المحاورة والمخاطبة والاحتجاج والاستدلال) (32) ، وهو اللسان الذي جرت عليه نصوص القرآن الكريم، والسنة النبوية (33) .
وكأن الإمام الشافعي (رحمه الله) يريد أن يقول: (إن اللسان العربي المبين متى استقامت به ألسنة الناس، وعرفوا طرق دلالة الألفاظ على معانيها، وأدركوا أسرار اللغة العربية، فإن هذا كله يغني عن دراسة المنطق) (34) .
ب- يقول الإمام ابن قتيبة (رحمه الله) : (ولو أن مؤلف(حد المنطق) (35) بلغ زماننا هذا حتى يسمع دقائق الكلام في الدين والفقه والفرائض والنحو، لعد نفسه من البكم، أو يسمع كلام رسول الله وصحابته (رضي الله عنهم) لأيقن أن للعرب الحكمة وفصل الخطاب .. ) (36) .
ج- ويقول الإمام الشاطبي (رحمه الله) : (المسألة السادسة: فنقول: لَمّا انبنى الدليل على مقدمتين: إحداهما تحقق المناط، والأخرى تحكم عليه ... )
(واعلم أن المراد بالمقدمتين ههنا ليس ما رسمه أهل المنطق على وفق الأشكال المعروفة، ولا على اعتبار التناقض والعكس وغير ذلك، وإن جرى الأمرعلى وفقها في الحقيقة، فلا يستتب جريانه على ذلك الاصطلاح؛ لأن المراد تقريب الطريق الموصل إلى المطلوب على أقرب ما يكون، وعلى وفق ما جاء في الشريعة، وأقرب الأشكال إلى هذا التقرير: ما كان بديهيًا في الإنتاج، أو ما أشبهه من اقتراني أو استثنائي، إلا أن المتحري فيه إجراؤه على عادة العرب في مخاطباتها، ومعهود كلامها؛ إذ هو أقرب إلى حصول المطلوب على أقرب ما يكون .. ) (37) .
3 -أنه قد تبين بالنظر في القياس المنطقي فساده، وبالتالي: فساد ما يترتب عليه. كما تبين بالاستقراء والتتبع: عدم تحصيل أي فائدة منه؛ وذلك لعدم التفات أهل العلوم والصناعات إليه، سواء من المسلمين أو غيرهم، بل من أهله أحيانًا.
وسيأتي تفصيل هذا الدليل في الرد على الدليل الأول للقائلين بالجواز (38) .
* مناقشة الأدلة:
أ- مناقشة أدلة القول الأول:
1 -مناقشة الدليل الأول:
لا يسلم أصحاب القول الثاني (وهم القائلون بعدم الجواز) بكون المنطق آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن أن يزل في فكره.
وكلامهم في الرد على هذه الدعوى منصب على جهتين، هما: جهة كون المنطق ـ بما فيه القياس المنطقي ـ فاسدًا في نفسه. والجهة الثانية: على التسليم بصحته أو بصحة بعض الأقيسة المنطقية، فإنه لا فائدة منه، وإليك بيان هاتين الجهتين:
الجهة الأولى: كون القياس المنطقي فاسدًا في نفسه:
أظهر جملة من العلماء المسلمين ـ ومن غير المسلمين ـ في القديم والحديث فساد القياس المنطقي، بعد ما نظروا فيه نظرة علمية فاحصة.
وإليك نصوص بعض علماء الإسلام في فساد القياس المنطقي:
أ- قال ابن قتيبة (رحمه الله) لمن يحاول الانتفاع بهذه المصطلحات المنطقية: (فإذا ما حاول الانتفاع بها؛ وذلك باستعمالها في كلامه، لم تكن إلا وبالًا على لفظه، وقيدًا للسانه، وعيًّا في المحافل، وعقلة عند المتناظرين) (39) .
ب- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (رحمه الله) : (والكلام في المنطق إنما وقع لمّا زعموا أنه آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن أن يزل في فكره، فاحتجنا أن ننظر في هذه الآلة، هل هي كما قالوا، أو ليس الأمر كذلك؟) (40) .
ومن كلامه في إبطال هذه الدعوى:
قوله: (الواقع قديمًا وحديثًا أنك لا تجد من يُلزم نفسه أن ينظر في علومه به إلا وهو فاسد النظر والمناظرة، كثير العجز عن تحقيق علم وبيانه) (41) .
وقوله أيضًا: (الذي وجدناه بالاستقراء: أن الخائضين في العلوم من أهل هذه الصناعة أكثر الناس شكًّا واضطرابًا، وأقلهم علمًا وتحقيقًا، وأبعدهم عن تحقيق علم موزون. وإن كان فيهم من قد يحقق شيئًا من العلم: فذلك لصحة المادة والأدلة التي ينظر فيها، وصحة ذهنه وإدراكه، لا لأجل المنطق) (42) .
بل ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية (رحمه الله) أن من أهل المنطق ـ الحُذّاق منهم خاصة ـ من لا يلتزمونه في كلّ علومهم، فقال: ( .. ونفس الحُذّاق منهم لا يلتزمون قوانينه في كلّ علومهم، بل يعرضون عنها؛ إما لطولها، وإما لعدم فائدتها، وإما لفسادها، وإما لعدم تميّزها، وما فيها من الإجمال والاشتباه) (43) .
كما استشهد (رحمه الله) في هذا المقام برجوع الكثيرين ـ ممن اشتغلوا به، وقضوا أغلب أعمارهم في اعتماده، بل ممن أوجبوا تعلمه وحكموا على من يجهله بعدم الوثوق في علمه ـ عن استعماله والاشتغال به، بعد أن اعترفوا بفساده، وما يؤدي إليه من الخطأ والضلال .. فقال (رحمه الله) عن أبي حامد الغزالي (رحمه الله) : (وبيّن في آخر كتبه أن طريقهم(44) فاسدة لا توصل إلى يقين، وذمّها أكثر مما ذم طريقة المتكلمين .. فهو في آخر أمره يبالغ في ذمهم، ويُبين أن طريقهم متضمنة من الجهل والكفر ما يوجب ذمها وفسادها أعظم من طريقة المتكلمين، ومات وهو مشتغل بالبخاري ومسلم) (45) .
كما نقل (رحمه الله) عن الفخر الرازي (رحمه الله) قوله: (لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلًا، ولا تروي غليلًا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن .. ومن جرّب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي) (46) .
ج- وقال ابن القيم (رحمه الله) : (وأما المنطق: فلو كان علمًا صحيحًا؛ كان غايته أن يكون كالمساحة والهندسة ونحوها، فكيف وباطله أضعاف حقّه! وفساده، وتناقض أصوله، واختلاف مبانيه: توجب مراعاتها للذهن أن يزيغ في فكره! ولا يؤمن بهذا إلا من قد عرفه وعرف فساده وتناقضه ومناقضة كثير منه للعقل الصريح) (47) .
وقال في موضع آخر: (وأخبر بعض من كان قد قرأه، وعني به، أنه لم يزل متعجبًا في فساد أصوله وقواعده ومباينته لصريح المعقول، وتضمنها لدعاوٍ محضة غير مدلولٍ عليها! وتفريقه بين متساويين، وجمعه بين مختلفين؛ فيحكم على الشيء بحكم، وعلى نظيره بضدّ ذلك الحكم! أو يحكم على الشيء بحكم، ثم يحكم على مضاده أو مناقضه به) (48) .
وقوله أيضًا: (وقد زعم أرسطو وأتباعه أن المنطق ميزان المعاني، كما أن العروض ميزان الشعر. وقد بيّن نظار الإسلام فساد هذا الميزان وعوجه وتعويجه للعقول، وتخبيطه للأذهان، وصنّفوا في رده وتهافته كثيرًا .. ) (49) .
وقوله (رحمه الله) : (وما دَخَل المنطق على علم إلا أفسده، وغيّر أوضاعه، وشوش قواعده) (50) .
الجهة الثانية: عدم الفائدة منه:
على التسليم بصحة المنطق ـ بما فيه الأقيسة المنطقية ـ وما يترتب عليه: فإنّ العلماء ذكروا أنه لا فائدة منه، وأنه يمكن الاستغناء عنه، ومن ذلك قولهم:
أ- قال ابن الصلاح (رحمه الله) : ( .. ولقد تمت الشريعة وعلومها، وخاض في بحر الحقائق والدقائق علماؤها؛ حيث لا منطق ولا فلسفة ولا فلاسفة) (51) .
ب- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (رحمه الله) : (لا تجد أحدًا من أهل الأرض حقق من العلوم، وصار إمامًا فيه مستعينًا بصناعة المنطق؛ لا من العلوم الدينية ولا غيرها.
فالأطباء والحُسّاب والكُتاب ونحوهم يُحققون ما يُحقّقون من علومهم وصناعتهم بغير صناعة المنطق.
وقد صُنّف في الإسلام علوم النحو، واللغة، والعروض، والفقه، وأصوله، والكلام .. وغير ذلك، وليس في أئمة هذه الفنون من كان يلتفت إلى المنطق، بل عامتهم كانوا قبل أن يُعرّب هذا المنطق اليوناني.
وأما العلوم الموروثة عن الأنبياء صرفًا ـ وإن كان الفقه وأصوله متصلًا بذلك ـ فهي أجلّ وأعظم من أن يُظن لأهلها التفاتًا إلى المنطق؛ إذ ليس في القرون الثلاثة من هذه الأمة ـ التي هي خير أمة أخرجت للناس، وأفضلها القرون الثلاثة ـ من كان يلتفت إلى المنطق أو يعرّج عليه، مع أنهم في تحقيق العلوم وكمالها بالغاية التي لا يدرك أحد شأوها، كانوا أعمق الناس علمًا، وأقلهم تكلّفًا، وأبرهم قلوبًا، ولا يوجد لغيرهم كلام فيما تكلموا فيه إلا وجدت بين الكلامين من الفرق أعظم ما بين القَدَم والمِفْرَق (52 ) ) (53) .
وقال (رحمه الله) : (أما بعد، فإني كنتُ دائمًا أعلم أن المنطق اليوناني لا يحتاج إليه الذكي، ولا ينتفع به البليد) (54) ..
وقال أيضًا: (ومعلوم أن أفضل هذه الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين، عرفوا ما يجب عليهم، وكمل علمهم وإيمانهم قبل أن يُعرف منطق اليونان .. ) (55) .
وقال أيضًا (رحمه الله) : ( .. ونفس الحذّاق منهم(56) لا يلتزمون قوانينه في كلّ علومهم، بل يعرضون عنها؛ إما لطولها، وإما لعدم فائدتها .. ) (57) .
د- وقال ابن القيم (رحمه الله) : (وهذا الشافعي، وأحمد، وسائر أئمة الإسلام وتصانيفهم، وسائر أئمة العربية وتصانيفهم، وأئمة التفسير وتصانيفهم، لمن نظر فيها، هل راعوا فيها حدود المنطق وأوضاعه؟ ولو صح، لهم علمهم بدونه أم لا؟ بل هم كانوا أجلّ قدرًا، وأعظم عقولًا من أن يشغلوا أفكارهم بهذيان المنطقيين) (58) .
2 -مناقشة الدليل الثاني:
يمكن مناقشة هذا الدليل بالقول: إنه يُشترط في المستنبِط أن يكون عارفًا بقدر من اللغة العربية (59) يمكنه من النظر في الأدلة الشرعية، ولا شك أن من توفر لديه هذا القدر من علوم اللغة العربية فإنه يعتبر مجيدًا للغة العربية، وبالتالي: فهو قادر على استعمال الأساليب والتركيبات اللغوية الصحيحة التي يراها مناسبة لترتيب مقدمات الحكم الشرعي.
3 -مناقشة الدليل الثالث: