والحال ينعكس لو استفتح المُتحاورون بنقاط الخلاف وموارد النزاع، فلذلك يجعل ميدان الحوار ضيقًا وأمده قصيرًا، ومن ثم يقود إلى تغير القلوب وتشويش الخواطر، ويحمل كل طرف على التحفُّز في الرد على صاحبه مُتتبِّعًا لثغراته وزَلاته، ومن ثم ينبري لإبرازها وتضخيمها، ومن ثم يتنافسون في الغلبة أكثر مما يتنافسون في تحقيق الهدف.
ومما قاله بعض المُتمرّسين في هذا الشأن:
دَعْ صاحبك في الطرف الآخر يوافق ويجيب بـ (نعم) ، وحِلْ ما استطعت بينه وبين (لا) ؛ لأن كلمة (لا) عقبة كؤود يصعب اقتحامها وتجاوزها، فمتى قال صاحبك: (لا) ؛ أوجَبَتْ عليه كبرياؤه أن يظلّ مناصرًا لنفسه.
إن التلفظ بـ (لا) ليس تفوُّها مجردًا بهذين الحرفين، ولكنه تَحفُّز لكيان الإنسان بأعصابه وعضلاته وغدده، إنه اندفاع بقوة نحو الرفض، أما حروف (نعم) فكلمة سهلة رقيقة رفيقة لا تكلف أي نشاط جسماني [1] .
ويُعين على هذا المسلك ويقود إليه؛ إشعارك مُحدثَّك بمشاركتك له في بعض قناعاته؛ والتصريح بالإعجاب بأفكاره الصحيحة وأدلته الجيدة ومعلوماته المفيدة، وإعلان الرضا والتسليم بها. وهذا كما سبق يفتح القلوب ويُقارب الآراء، وتسود معه روح الموضوعية والتجرد.
وقد قال علماؤنا: إن أكثر الجهل إنما يقع في النفي؛ الذي هو الجحود والتكذيب؛ لا في الإثبات، لأن إحاطة الإنسان بما يُثْبتُه أيسر من إحاطته بما ينفيه؛ لذا فإن أكثر الخلاف الذي يُورث الهوى نابع؛ من أن كل واحد من المختلفين مصيب فيما يُثْبته أو في بعضه، مخطيء في نفي ما عليه الآخر [2] .
(1) - أصول الحوار ص 46.
(2) - تنبيه أولى الأبصار د. صالح السحيمي ص 28 بتصرف.