ومما جعل سببًا لرد الحديث عند البعض أن المحدثين كانوا أو جلهم - زعموا - رواة نقله، لم يعتنوا بفقه الحديث، ولم يهتموا بتحقيق معناه، وإنما كانت همتهم منصرفة لبيان الأسانيد، وأحوال الرواة، وصيغ الأداء، وربما استدلوا لما زعموا بحديث:
(ما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فأنا قلته، وما خالفه فلم أقله) .
والجواب على هذا من وجوه:
1 -هذا الحديث موضوع على النبي صلى الله عليه وسلم لا يصح أن ينسب إليه، فقد وضعه أبو جعفر المدائني عبدالله بن المسور، وكان كذابًا يضع الحديث على النبي صلى الله عليه وسلم، وله طرق أخرى كلها ضعيفة وقد أنكره الأئمة ابن معين، والشافعي، وابن حزم، وابن تيمية وغيرهم .
2 -أما من حيث المتن فهو مردود من وجهين:
الأول: هو كما قال البيهقي رحمه الله ينعكس على نفسه بالبطلان، فليس في القرآن دلالة على عرض الحديث على القرآن .
الثاني: أنه صح خلافه كما قال الفيروز آبادي يرحمه الله، وهو حديث: (( ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه ) ).
وهذا الحديث يلقم حجرًا كل من حاول الدس والطعن في السنة الصحيحة أو حاول أن يفتعل التعارض بينها وبين الظاهر القرآن، ولله الحمد كله.
تضعيف الحديث لمخالفته للأمور الطبيعية والعلمية:
من العلوم أن لا تعارض بين حقيقة جاء الشارع بها سواء أكان ثبوتها بآية من كتاب الله، أم بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين حقيقة علمية أو طبيعية ثابتة لا يتطرق إليها احتمال الخطأ لكن يأبى بعض مرضى القلوب إلا أن يفتعل التعارض بين الحديث، وبين بعض الفروض أو النظريات والآراء العلمية أو الكشوف الطبية.
ويشغبون لذلك برد أحاديث ثابتة لا يتطرق أدنى احتمال، لصحتها مما اتفق عليه الشيخان وتلقته الأمة بالقبول، ويسخرون من الأئمة العدول الضابطين، جبال العلم والحفظ، وجهابذة النقد.