الصفحة 165 من 261

المطلب الثاني: الرحمة

والرحمة لغة: الرِّقة والمغفرة والتعطّف [1] .

قال في مفردات ألفاظ القرآن: «والرَّحمة: رقَّة تقتضي الإحسان إلى المرحوم ، وقد تستعمل تارة في الرِّقة المجردة ، وتارة في الإحسان المجرّد عن الرّقة ، نحو رحم الله فلانًا » [2] . ...

وعلى هذا فالرَّحمة من أخلاق الإسلام التي أمر الله بها ، بل إنه سبحانه قد اتصف بها فهو الرَّحمن الرَّحيم ؛ قال سبحانه: { ? ? ? ? ?} [3] ، وقال أيضًا: { ? ٹ ٹ ٹ} [4] .

وقد وردت الرحمة ومعانيها كثيرًا في القرآن الكريم وكذلك في السنة المطهّرة ومن ذلك:

1-قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن نفسه: ( أنا محمد وأحمد والمقفي والحاشر ونبي التوبة ونبي الرحمة) [5] .

2-حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنهما ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( من لا يَرحم لا يُرحم) [6] .

والرحمة أمر فطري في البشر ؛ بل وحتى في البهائم ، وهي من الأخلاق المأمور بها المؤكَّد عليها ، حتى لقد رحم عليه الصلاة والسلام الجمادات ، كما ورد عنه رحمته للجذع الذي حنَّ لفراقه عليه الصلاة والسلام ، حيث لما سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - حنين جذع النخلة نزل من على منبره ، الجديد وضمّه إليه ، وسكَّن من روعه [7] .

أما بالنسبة لتصحيح الأخطاء بهذا الخلق العظيم منه - صلى الله عليه وسلم - فمن ذلك:

1-حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ( دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - فإذا حبل ممدود بين السّاريتين فقال: ما هذا الحبل ؟ قالوا: هذا حبل لزينب ،. فإذا فترت تعلّقت . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا. حُلوّه ، لُيصلِّ أحدكم نشاطه ، فإذا فتر فليقعد ) [8] .

ففي هذا الحديث رحمته عليه الصلاة والسلام بهذه « المرأة وبأمته كذلك حيث لم يكلفهم ما يجهدهم ، ويشقّ عليهم » [9] .

2-حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال لي النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( إنك لتصوم الدهر وتقوم الليل ..) وفيه: ( صم يومًا وأفطر يومًا ) وفيه كذلك: ( فإنك إن فعلت ذلك هجَمَت عينك [10] ونَفَهَت نفسك [11] ، وإن لنفسك عليك حقًا) [12] .

فالنبي - صلى الله عليه وسلم - أشفق على عبد الله بن عمرو ، ورحمه ، وأرشده إلى الصواب ، من هذا الفعل ، وفيه تصحيح للخطأ الذي وقع فيه هذا الصحابي الجليل ، قال النووي رحمه الله: « وحاصل الحديث بيان رفق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأمَّته ، وشفقته عليهم ، وإرشادهم إلى مصالحهم، وحثهم على ما يطيقون الدوام عليه» [13] .

وقد قال ابن حجر رحمه الله مثل هذا الكلام في الفتح [14] .

فالداعية المخلص هو الذي تدفعه الشفقة ، والرحمة على المدعوين ، والخوف عليهم ، من عاقبة ذلك الخطأ إلى ملاحظتهم ، وتصحيح أخطائهم، وهذا ما فَعَلَه إمام الدعاة ، وقدوة المربيين محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وما ذلك إلا كما قال عنه سبحانه وتعالى واصفًا عبده ونبيه: { ? ? ? ? ? ? ? ?} [15] ، وقال كذلك واصفًا خلقه العظيم

(1) القاموس المحيط مادة ( رحم ) ص 1436 .

(2) مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني ص 347 مادة ( رَحِمَ ) .

(3) سورة الأنعام آية رقم ( 54 ) .

(4) سورة الأعراف آية رقم ( 156 ) .

(5) أخرجه مسلم في كتاب الفضائل ، باب في أسمائه - صلى الله عليه وسلم - حديث رقم ( 2355 ) .

(6) أخرجه البخاري كتاب الأدب باب رحمة الناس والبهائم حديث رقم ( 6013 ) .

(7) أخرجه البخاري كتاب المناقب ، باب علامات النبوة في الإسلام حديث رقم ( 3584 ) .

(8) أخرجه البخاري كتاب التهجد ، باب: ما يكره من التشديد في العبادة حديث رقم ( 1150 ) وأبو داوود في الصلاة ، باب النعاس في الصلاة رقم ( 1312 ) ، والنسائي في قيام الليل ، باب الاختلاف مع عائشة في إحياء الليل رقم ( 1642 ) .

(9) بتصرف من أخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم -: الحداد: 72 / 620 .

(10) هجمت عينك: غارت وضعفت لكثرة السهر ( فتح الباري ) ( النووي ) .

(11) نفهت نفسك: كلَّت ( المرجع السابق ) وقيل ضعفت ( النووي ) .

(12) أخرجه البخاري مطولًا في كتاب الصوم ، باب صوم داوود عليه السلام وغيره ، حديث رقم ( 1979 ) ، ومسلم في كتاب الصيام باب النهي عن الصوم المتتابع حديث رقم ( 1159 ) .

(13) شرح صحيح مسلم للنووي: 3 / 225 .

(14) فتح الباري: 4 / 265 .

(15) سورة التوبة آية رقم ( 61 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت