ففي هذا الحديث تلوّن وجهه عليه الصلاة والسلام وهو من علامات الغضب . وفيه كذلك « الغضب إذا انتهكت حرمات الله عز وجل لأن النبي ^ غضب وهتكه» [1] .
2-وعن عائشة رضي الله عنها كذلك أن قريشًا أهمهم شأن المخزومية التي سرقت فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ^ فكلمه أسامة فقال رسول الله ^: (أتشفع في حدٍّ من حدود الله تعالى ؟) ثم قام فانتصب ثم قال: ( إنما هلك من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ! وأيم الله ، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) متفق عليه [2] .
وفي هذا الحديث بيان أن النبي ^ قد « ظهرت على وجهه أسارير الغضب » [3] .
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: « والشاهد من هذا الحديث أن الرسول عليه الصلاة والسلام غضب لشفاعة أسامة بن زيد في حدٍّ من حدود الله» [4] .
3-ولما رأى النخامة في قبلة المسجد تغيّظ وحكَّها [5] ، فعن أنسٍ رضي الله عنه أن النبي ^ رأى نخامة في القبلة فشق ذلك عليه حتى رؤي في وجهه ، فقام فَحكَّه بيده فقال: ( إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه ، وإن ربه بينه وبين القبلة، فلا يبزقنَّ أحدكم قِبَلَ القبلة ولكن عن يساره أو تحت قدمه) [6] .
والأحاديث في ذلك كثيرة ، وإنما أردتُ التدليل على أن هناك غضب محمود ، وهو ما كان في ذات الله ، كما كان يفعله النبي ^، ومن ذلك
-كذلك - حديث أبي مسعود الأنصاري (عندما شُكي إلى النبي ^ الإمام الذي يطيل في الصلاة فغضب النبي ^ واشتد غضبه ....) [7] .
الثاني: غضب مذموم: وهو ما كان في غير الأول ، وهو الذي اشتدّ نكير الشرع له والتحذير منه ، وغالبًا ما يكون للانتقام ، وحظِّ النفس ، ولذا فقد جاءت النصوص الكثيرة محذرة من هذا النوع ؛ ذلك: « أن لظاهرة الغضب المذموم أثار سيئة على شخصية الإنسان ، وعقله واتزانه ، وعواقب وخيمة على وحدة المجتمع وترابطه وتماسكه » [8] .
ويفسَّر هذا الغضب على أنه العطش الشديد للتنفيس عن المشاعر الآنية [9] ، المتولدة من مواقف معينة .
-والغضب خطره كبير ، ومآله عسير ذلك أنه قد يحمل الإنسان على أن يقول كلمة الكفر ، أو أن يطلّق زوجته [10] أو يفعل أمرًا يندم عليه في دنياه وآخرته .
وقد وردت أقوال من السابقين واللاحقين تبيّن خطورة هذا الأمر الجلل ولزوم مجانبته والابتعاد عنه ومن ذلك:
« - أن عيسى عليه السلام قال ( يباعدك من غضب الله ألا تغضب ) .
-وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: « إنما يعرف الحلم ساعة الغضب . وكان يقال: أول الغضب جنون وآخره ندم » [11] .
-والغضب يعمي صاحبه عن الحق حتى يضرَّ أهله ؛ بل يضر نفسه ، فقد يتلف ماله ، ويضرب عياله ، ويطلق أهله ، ويفعل الأفاعيل كل ذلك بالغضب ، فيا لله كم هدم من منزل !! ، وفرّق من شمل مجتمع !! ، وهتك من عرضٍ !! وأخرج مسلمًا من إسلامه !! فما يزال بالإنسان حتى يكون مصيره النار وبئس المصير!!
-ولقد حذر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الغضب ، وأمر بتجنبه ومن ذلك:
1-عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلًا قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: أوصني قال: (لا تغضب) فردّد مرارًا قال: (لا تغضب) [12] فالنبي - صلى الله عليه وسلم - أمر هذا الرجل أن يجتنب أسباب الغضب .
وقال ابن التِّين [13] : « جمع ^ قوله ( لا تغضب ) خير الدنيا والآخرة
(1) المصدر السابق . ص 339 .
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحدود حديث رقم ( 6788 ) ومسلم في كتاب الحدود حديث رقم ( 1688 ) .
(3) تربية الأولاد في الإسلام - عبد الله ناصح علوان 1 / 345 .
(4) شرح رياض الصالحين 6 / 340 .
(5) جامع العلوم والحكم ج 1 / 371 .
(6) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة حديث رقم ( 406 ) ومسلم في كتاب المساجد حديث رقم ( 551 ) .
(7) أخرجه مسلم في كتاب المساجد حديث رقم ( 466 ) .
(8) تربية الأولاد في الإسلام 1 / 347 .
(9) انظر: تربية الأولاد بين الإفراط والتفريط صالح العثيم ص 202 .
(10) انظر: شرح رياض الصالحين 6 / 304 .
(11) بهجة المجالس / ابن عبد البر 1 / 375 .
(12) أخرجه البخاري في كتاب الأدب باب الحذر من الغضب حديث رقم ( 6116 ) .
(13) هو: أبو غالب تمام بن غالب بن عمر المرسي الأندلسي المعروف بالتيَّاني من أهل قرطبة ، سكن مرسية ، كان إمامًا في اللغة مذكورًا بالديانة ، والفقه ، والورع ، وكان مقدّمًا في علم اللسان ، وله كتاب جامع في اللغة سماه: تلقيح العين ، توفي بالمرّية في أحد الجمادين سنة 436 هـ، والتيَّاني منسوبًا إلى التين وبيعه ، قاله ابن خلكان.
انظر الترجمة في: وفيات الأعيان: 1/300 ، وطبقات الشافعية ج10/490 .