المبحث السادس
الغضب
والغضب من أكبر الأسباب الداعية إلى ارتكاب الأخطاء ، فكم من خطأٍ ارتُكب بسببه ، وكم جرَّ من زلة لصاحبه أردته في مهاوي المعصية .
وإذا تتبعنا أغلب الأخطاء التي يقع فيها البشر ؛ وجدنا نسبة كبيرة كانت نتيجة الغضب ، والثورة العارمة العنيفة في النفس بسبب موقف معين قد سبب لصاحبه كل هذه الشرور والويلات .
وعرَّف ابن رجب - رحمه الله - الغضب بقوله: « هو غليان دم القلب طلبًا لرفع المؤذي عند خشية وقوعه ، أو طلبًا للانتقام ممن حصل منه الأذى بعد وقوعه » [1] .
وعرّفه بعضهم [2] بأنه: «قوة أودعها الله في الإنسان تثور من باطنه فتحمله على الدفاع عما يحبه من الأغراض ، وتدفعه إلى البطش بكل ما يؤذيه » .
ولكن ابن تيميه رحمه الله يعترض على بعض مفردات التعاريف السابقة ، ويبِّين أن ذلك ليس بصحيح في حق الإنسان ، إذ الغضب قد يكون لدفع المُنافي قبل وجوده ، فلا يكون هناك انتقام أصلًا ، ويقول أيضًا: « فغليان دم القلب يقارنه الغضب ، ليس أن مجرد الغضب هو غليان دم القلب .. وهذا لأن النفس إذا قام بها دفع المؤذي فإن استشعرت القدرة فاض الدّم إلى الخارج فكان منه الغضب ، وإن استشعرت العجز عاد الدّم إلى داخل ، فاصفرّ الوجه كما يصيب الحزين » [3] .
ويمكن الجمع بين التعاريف ، وبين قول ابن تيمية رحمه الله ، إذْ إن التعاريف تكلمت عن الغضب بنتيجته ومؤدّاه ، وهي غليان القلب ، واحمرار الوجه ، وطلب الانتقام إلى غير ذلك ، أما قول ابن تيميه رحمه الله فيُحمل على أنه أراد أن التعاريف المقيِّدة للغضب إنما ذكرت بعض صفاته ، وقد يكون من الصفات كذلك الاصفرار حال عدم الاستطاعة بردِّ
(1) جامع العلوم والحكم ج 1 / 369 .
(2) عبد العزيز السلمان في موارد الظمآن لدروس الزمان ج 3 / 343 .
(3) مجموع الفتاوى 6 / 119 .