نصيب الصادق فيه من الرحمن بنصيب الشيطان، و اختلط حظ القلب بحظ النفس، هذا أحسن أحواله، فإنه مؤسس على حظ النفس و الشيطان و هو فيه بذاته و هو نصيبه من الرحمن فهو فيه بالعرض، لوم يوضع عليه و لا أسس عليه فاختلط في وادي القلب الماء اليسير الصافي بالماء الكثير الكدر، و غلب الخبيث في الطيب، أو تجاورا و التقت الواردات الرحمانية، و الواردات الشيطانية.
و المستمع الصاد لغلبة صدقه، و ظهور أحكام القلب فيه يخفى عليه ذلك الوقت أثر الكدر و لا يشعر به سيَّما مع سُكر الروح به، و غيبتها عن سوى مطلوبه، فلما أفاق من سكره، و فارق لذة السماع و طيبه، وجد اللوث و الكدر الذي هو حظ النفس، و الشيطان، و أثر جثوم الشيطان على قلبه فأثر فيه ذلك الأثر قبضًا، و وحشة، و أحس به بعدًا و كلما كان أصدق و أتم طلبًا كان وجوده لهذا أتم و أظهر فإن استعداده هو بحياة قلبه يوجب له الاحساس بهذا، و لا يدري من أين أتى، و هذا له في الشاهد نظائر و أشباه منها:
إنَّ الرجل إذا اشتغل قلبه اشتغالًا تامًا بمشاهدة محبوب أو رؤية مخوف، أو لذةٍ مَلَكت عليه حسّه و قلبه، إذا أصابه في تلك الحالة ضربٌ، أو لسعٌ أو سببٌ مؤلم، فأنه لا يكاد يشعر به، فإذا فارقته تلك الحالة وجد منه ألم حتى كأنه أصابه تلك الساعة، فإنه كان في مانع يمنعه من الإحساس بالألم فلما زال المانع أحس بالألم.
أهل الصدق إذا دخلوا في السماع الباطل
و لهذا كان بعض الصادقين إذا فارق السماع بادر إلى تجديد التوبة و الاستغفار، و أخذ في أسباب التداوي التي يُدفع بها موجب أسباب القبض و الوحشة و البعد.