بغيره، و الصلاة قاطعة له عن أشغاله و محبوباته الدنيوية، فهو معذَّب بها حتى يخرج منها، و ذلك ظاهر في أحواله فيها، من نقرها، و التفات قلبه إلى غير ربه، و ترك الطمأنينة و الخشوع فيها، و لكن قد عَلِمَ أنَّه لا بدّ له من أدائها، فهو يؤديها على أنقص الوجوه، قائل بلسانه ما ليس في قلبه و يقول بلسان قلبه حتى نصلي فنستريح من الصلاة، لا بها.
فهذا لونٌ و ذاك لونٌ آخر.
ففرق بين مَن كانت الصلاة لجوارحه قيدًا ثقيلًا، و لقلبه سجنًا ضيقا حرجًا، و لنفسه عائقا، و بين مَن كانت الصلاة لقلبه نعيمًا، و لعينه قرة و لجوارحه راحة، و لنفسه بستانًا و لذة.
فالأول: الصلاة سجن لنفسه، و تقييد لجوارحه عن التورط في مساقط الهلكات، و قد ينال بها التكفير و الثواب، أو ينال من الرحمة بحسب عبوديته لله تعالى فيها، و قد يعاقب على ما نقص منها.
و القسم الآخر: الصلاة بستان له، يجد فيها راحة قلبه، و قرّة عينه، و لذَّة نفسه، و راحة جوارحه، و رياض روحه، فهو فيها في نعيم يتفكَّه، و في نعيم يتقلَّب يوجب له القرب الخاص و الدنو، و المنزلة العالية من الله عزَّ و جل، و يشارك الأولين في ثوابهم، بل يختص بأعلاه، و ينفرد دونهم بعلو المنزلة و القربة، التي هي قدر زائد على مجرد الثواب.
من فوائد الصلاة القرب من الله
و لهذا تَعِدُ الملوك من أرضاهم بالأجر و التقريب، كما قال السحرة لفرعون: {إنَّ لَنَا لأَجرًا إن كُنَّا نحنُ الغالبينَ} [الشعراء:41] ، {قالَ نَعم و إنَّكم لَمنَ المُقرَّبين} [الأعراف: 114] .