فإذا سجد، كان إقباله على قربه، و الدنو منه، و الخضوع له و التذلل له، و الافتقار إليه و الانكسار بين يديه، و التملق له.
فإذا رفع رأسه من السجود جثى على ركبتيه، و كان إقباله على غنائه وجوده، و كرمه و شدة حاجته إليهنّ، و تضرعه بين يديه و الانكسار؛ أن يغفر له و يرحمه، و يعافيه و يهديه و يرزقه.
فإذا جلس في التشهد فله حال آخر، و إقبال آخر يشبه حال الحاج في طواف الوداع، و استشعر قلبه الانصراف من بين يدي ربه إلى أشغال الدنيا و العلائق و الشواغل التي قطعه عنها الوقوف بين يدي ربه و قد ذاق قلبه التألم و العذاب بها قبل دخوله في الصلاة، فباشر قلبه روح القرب، و نعيم الإقبال على الله تعالى، و عافيته منها و انقطاعها عنه مدة الصلاة، ثم استشعر قلبه عوده إليها بخروجه من حمى الصلاة، فهو يحمل همَّ انقضاء الصلاة و فراغه منها و يقول: ليتها اتصلت بيوم اللقاء.
و يعلم أنه ينصرف من مناجاة مَن كلّ السعادة في مناجته، إلى مناجاة من كان الأذى و الهم و الغم و النكد في مناجاته، و لا يشعر بهذا و هذا إلا من قلبه حي معمور بذكر الله و محبته، و الأنس به، و من هو عالم بما في مناجاة الخلق و رؤيتهم، و مخالطتهم من الأذى و النكد، و ضيق الصدر و ظلمة القلب، و فوات الحسنات، و اكتساب السيئات، و تشتيت الذهن عن مناجاة الله تعالى عز و جل.
الكلام على التسليم
و لما كان العبد بين أمرين من ربه عز و جل: