ونحن بسبيل الكلام عن التفسير بالمأثور، وأهمية اعتماده كإطار مرجعي، في النظر العقلي، والتفسير بالرأي، لا بد أن نذكر أن الكثير من أصحاب التفسير الباطني، والصوفي، والإشاري، أو بكلمة مختصرة: التفسير العرفاني، حاولوا توهين إسناد ومتون بعض الأحاديث المبينة للقرآن، ليكون ذلك مندوحة لهم، للخروج، والرفض، والتجاوز، وإذا لم يجدوا في إسنادها ومتونها وهنًا، ردوها على أنها من خبر الآحاد، الذي يفيد الظن، ولا يحقق علم اليقين. مع أن المعتمد عند جميع العلماء، أن أحاديث الآحاد، وأخبار الآحاد، يؤخذ بها في أحكام الفروع، وفي بيان آيات القرآن، أي في التفسير بالمأثور، حتى في مجال بيان آيات العقائد، عند من لم يعتمدها في إثبات العقائد.. وقد يكون الأمر المستغرب حقًا، أن تُلغى أحاديث الآحاد، لأنها تفيد الظن -وقد توفر لها صحة النقل، بشروطه المعروفة عن المعصوم- باجتهاد لا يخرج عن نطاق الظن، من شخص لا عصمة له، أي يرد الوارد عن الرسول صلى الله عليه وسلم -لأن سند نقله، لا يفيد اليقين- باجتهاد ونظر عقلي، ممن يجري عليه الخطأ والصواب -بأصل الخلق- حيث الأصل في اجتهاده الظن، وعدم اليقين.
وأسباب النزول والورود -وهي من البيان النبوي- هي أشبه ما تكون بوسائل إيضاح، لتنزيل النص على الواقع، ولتكون أداة معينة على التنزيل في كل زمان ومكان. لكن هذه الوسائل من أسباب النزول والورود، لا تعتبر قيودًا للنص، تجمده في نطاق المناسبة، بمقدار ما تمنح من فقه للتنزيل على الواقع، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب - كما أسلفنا- ذلك أن أسباب النزول والورود، أو البيان النبوي، هو أشبه بالتجربة المخبرية في العلوم التجريبية، التي تعتبر الأساس للانطلاق منها، والتصنيع في ضوئها، واعتمادها في التطبيقات المختلفة والمتعددة، داخل المجتمع، التي تعتمد جميعها تلك التجربة المخبرية، ولا تخرج عليها.