الصفحة 24 من 61

وتتنوع تلك العناصر التي تشكل المعنى، فيتمثّل جزءٌ منها بأمورٍ خارجّية يراعيها صاحب الكلام الذي يبتغي هدفًا ما، وهي جملة القرائن المحيطة بالحدث اللغوي، والتي تعرف بالمقام، ويتعلّق جزءٌ منها بالمتحدّث، وذلك من خلال الصورة الصوتية التي يؤدّى بها الكلام والتي تسمّى بالأداء، وهناك ما يتصل بالعناصر التي تُشكّل الكلام، فإن هذا الأخير عندما يجّرد من معطيات المقام يبقى له معنيً ما تولّده العناصر التي يتشكل منها، وهي ما يعرف بالسياق اللغوي، ويطلق على هذه العناصر السابقة جمعيًا مصطلح السياق.

وإذا كان المتلقي يتميّز من سواه بجبلّته التي فطره الله سبحانه وتعالى عليها وبتكوينه الثقافي فقد يصعب أن يكون معنى الكلام واحدًا عند كلّ الناس، ولعلّ الأمر يزداد تعقيدًا كلما سما الأسلوب بأدبيته، فمن المعروف أن هذا الأسلوب يعتمد الحذف والاتساع والفصل والتقديم والتأخير وغير ذلك من ظواهر يُلجأ إليها، فتتوسّع دائرة الاحتمالات في فهم المعنى وتتلوّن.

ويظهر أنّ الأمور التي أدّت إلى تعدد فهم المعنى وانعكست على التحليل النّحوي تتمثّل بمعطيات سياقية غائبة، مثل غياب المقام وغياب الأداء، وبمعطيات سياقية حاضرة مستمدة مما يشكّل المعنى، كما تتمثل بظاهرة الغموض التي تطالعنا أحيانًا في عبارات النّحاة من غير أن يقصدوها، وفي بعض الألفاظ المشكلة، كالتي وردت في القرآن الكريم.

إذا كان المقام عنصرًا أساسيًا من عناصر المعنى فإنّ غيابه قد يجعل المعنى الدلالي محتملًا لغير وجه، مما يؤدّي إلى تعدّد في فهم المعاني النحوية وتحليلها، والمراد بالمقام جملة العناصر غير اللغويّة المكوّنة للموقف الكلامي، وبذلك يشمل مجموع الناس المشاركين في الكلام، من حيث الجنس والعمر والألفة والتربية والانتماء الاجتماعي والثقافي والمهني، والإيحاءات والإشارات العضويّة التي تصدر منهم وغير ذلك، كما يشمل ظروف الزمان والمكان التي يؤدّى بها الحدث الكلامي وتؤثر فيه، والعلاقات الاجتماعية والسياسية والدينية والتاريخية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت