وربّما أدّت طبيعة اللغة إلى استخدام بعض الألفاظ التي يصعب تحديد معناها المعجمي بدّقة، فيقود إلى تعدّد في التحليل النّحوي، قال تعالى: [قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا] [1] . قد يكون معنى سبحانك هو"تنزيهك"، فتكون الإضافة من باب إضافة المصدر إلى مفعوله، وقد يكون المعنى"تنزَّهت"وهو بذلك من إضافة المصدر إلى فاعله [2] ، وليس هناك قرينة تحدّد معنى معجميًا معينًا لتلغي التعدّد في التحليل النّحوي.
وتواجهنا اللغة أحيانًا بألفاظ تصلح لأن تكون مفردة، وتصلح لأن تكون مركّبة، فيؤدّي هذا الأمر إلى تعدّد في التحليل النّحوي، ومن ذلك"ماذا"عندما تأتي في بعض العبارات المطّردة. قال تعالى: [وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا] [3] . يجوز في مثل هذا التركيب أينما وقع أن تكون"ماذا"مؤلفة من كلمتين، أي ما الذي؟ إحداهما مبتدأ والأخرى خبر، وجملة"أراد الله"صلة لـ"ذا"الموصولة والعائد محذوف، لأن فيه شروط جواز الحذف، والتقدير: ما الذي أراده الله؟ ويجوز فيها أن تكون كلمة واحدة تفيد الاستفهام بمعنى"أي شيء؟"فتعرب مفعولًا به مقدّمًا للفعل أراد، أي أيَّ شيء أراد الله بهذا؟ وهذا التعدّد في"ماذا"متعارف عند جمهور النّحاة [4] ، لأنه ما من قرينة تلغيه وتحدّد وجهًا معينًا.
وربما طالعتنا اللغة بألفاظ لا يعرف أصلها، إذ تحتمل أن تكون دخيلة وتحتمل أن تكون عربية، فيقود هذا الأمر أحيانًا إلى تعدّد في التحليل النّحوي. قال تعالى: [وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا] [5] . اختلف في"اليسع"أهو عربي أم لا؟ فقيل"إنه عربي، وبذلك تحتمل"أل"وجهين، فبعضهم يرى أنّه مضارع سمّي به العلم، ولا ضمير فيه، فأعراب ثم نُكّر وعُرّف بـ"أل"، وعلى هذا التفسير تكون"أل"زائدة غير لازمة [6] . وبعضهم الآخر يرى أنّه فعل"
(1) . سورة البقرة، الآية"32".
(2) . البحر المحيط 1/ 297.
(3) . سورة البقرة، الآية"26".
(4) . البحر المحيط 1/ 269.
(5) . سورة الأنعام، الآية"86".
(6) . البحر المحيط 4/ 178، وللمزيد انظر: المصدر نفسه8/ 336.