الفرض، وكان لا بد في الجمعة من صلاة الظهر في الحج من أدائه تامًّا في ميقاته.
وقد علم مما ذكرنا أن العَلَمَين حدٌّ لعرفة لا حَدٌّ بين الله والناس، ولا بين الجنة
والنار.
ترك بعض العلماء لفريضة الحج
الحج فرض على من استطاع إليه سبيلًا، وهو على التراخي لا الفور إذا
وُجِدَ العذرُ، والخلاف في المسألة مشهور، ولم يحج رسول الله صلى الله عليه
وسلم إلا في آخر سنة من عمره، ولكنه اعتمر قبل ذلك. ومن ترك الحج وهو
يستطيع السبيل إليه حتى مات، مات عاصيًا لله تعالى. ولا يقتدى به ولا يعد تركه
إياه عذرًا لغيره، والسائل يقول: إنه يرى كثيرًا من علماء الأمة ومرشديها
المصلحين لم يحجوا، وأنا لا أعرف أحدًا من العلماء المصلحين ولا غيرهم من
الجامدين الراضين بحال المسلمين السيئة ترك الحج بغير عذر حتى مات. وقد ذكر
السائل منهم الأستاذ الإمام والسيد الكواكبي - رحمهما الله تعالى - وذكرني معهم.
فأما الكواكبي فهو من علماء الاجتماع والسياسة لا من علماء الدين، وإن كان له
مشاركة ما في الفقه ونحوه لا تنكر، ولا أدري أحج أم لا؟ وأنا ما عرفته إلا في
مصر، ولم يكن ذا سَعَةٍ فيها، نعم إنه ساح بعد هجرته إلى مصر في جزيرة
العرب ثم عاد إليها، ولكن بمساعدة من بعض الناس، ومن لا يستطيع الحج إلا
بمال غيره لا يجب عليه الحج، ولا أن يقبل تبرع غيره له بنفقته إن هو تبرع.
وأما الأستاذ الإمام فأنا أعلم أنه كان عازمًا على الحج وقد سمعت ذلك من
لسانه وأنه يريد أن يقيم في المدينة المنورة وما جاورها طائفة من الزمن، ويبحث
عن مواضع غزوات النبي صلى الله عليه وسلم بحثًا يستعين به على ما كان ينويه
من الكتابة في تاريخ الإسلام، وتحرير سيرته عليه الصلاة والسلام، وقد بينت
عذره وعذري وسبب تأخيرنا للحج من قبل، فمن ذلك قولي في تفسير قوله تعالى:
{وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} (آل عمران: 97) من جزء التفسير الرابع ما نصه:
إن كثيرًا من أمراء المسلمين ونابغيهم يعلمون أن دون أدائهم لفريضة الحج عقبات
سياسية لا يسهل اقتحامها، وقد جاء في صحف الأخبار أن أمير مصر استأذن
السلطان في حج والدته وبعض أمراء أسرته فلم يأذن.
وقد كان الأستاذ الإمام يعتقد أنه إذا حج يلقي بيديه إلى التهلكة، وأنه لا أمان
له في الحرم الذي كان يرى الجاهلي فيه قاتل أبيه فلا يعرض له بسوء. وإن كاتب
هذه السطور يعتقد مثل هذا الاعتقاد، فنسأل الله تعالى أن يحقق لنا ثانية مضمون