الصفحة 29 من 49

وذلك منذ نزل قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} (التوبة: من الآية36) ، ونظرا للبعد الدولي للدعوة الإسلامية حينئذ، وسماع الملوك بها ووقوفهم في طريقها نحو تحرير الشعوب من الظلم والاضطهاد (1) .

والجدير بالإشارة هنا أن ليس بين هذه المراحل تناسخ، بل لكل مرحلة ظروفها الخاصة ومبرراتها الموضوعية، من حيث القوة والضعف، وتغير موقف العدو في السلم والحرب، ونوعية الكفار من أهل كتاب وغيرهم، إلى أمور عديدة ليس هنا موضع تفصيلها.

يقول الأستاذ مصطفى السباعي رحمه الله: (وتاريخ الرسول في حروبه أوضح دليل على المعنى النبيل الذي خاض من أجله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حروبه ومعاركه، فما أعلن الرسول الحرب إلا بعد أن اضطهد هو وجماعته في عقيدتهم، وأخرجوا من أوطانهم، فجاءت معركة بدر وما تلاها من معاركه في سبيل الحرية الدينية، وإقرار السلام والأمن في ربوع الجزيرة العربية، ذلك السلام الذي حاربه الوثنيون من العرب، فأحالوا بطاح مكة ورمالها إلى ميادين لتذبيح المؤمنين وتعذيبهم ومطاردتهم في أرزاقهم وأوطانهم وأموالهم) (2) .

المبحث الثالث:

هدي النبي الكريم في قتال الأعداء

لم تعرف الدنيا رئيسا لدولة مثل محمد - صلى الله عليه وسلم -، ولا غازيا أو فاتحا أرحم منه بمحاربيه و من يقع في يديه من الأسرى، وهذه دعوى قد تبدو عريضة ومبالغ فيها، إذا لم نذكر لها البينات الشاهدة على صدقها، وفي هذا المبحث سوف نتناول هدي النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - قبل القتال وأثنائه وبعده، لنقرأ من ذلك أجمع أعظم دروس الإنسانية وأروع قيم الحضارة.

أولا: هديه قبل القتال:

(1) راجع: زاد المعاد ج 3 ص 70 فما بعدها.

(2) انظر: نظام السلم والحرب في الإسلام ص 9.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت