بعد أن تحدثنا في المبحث الأول والثاني عن زواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما خصه الله به في ذلك، فقد آن الأوان لإبراز القيم الحضارية النبيلة، والمقاصد الشرعية الجليلة، في تعدد زوجاته الطاهرات رضي الله عنهن، ثم نحاكم تهمة (الشهوانية) التي رمي - صلى الله عليه وسلم - بها إلى تلك القيم والمقاصد التي كان يهدف إلى تحقيقها في زيجاته، كي نرى مدى التباعد بين سلوك (الشهواني) الذي يلهث وراء النساء يتخير منهن ملكات الجمال من الأبكار والصغيرات السن، كلما كبرت منهن واحدة بدل بها غيرها، وبين صاحب مشروع حضاري فيه سعادة البشرية في الدنيا والآخرة، أنيط عليه أمانة تبليغ رسالة الله وتزكية نفوس الخلق، وتعليمهم كل شيء في حياتهم، كما قال تعالى مبينا وظيفته الشريفة - صلى الله عليه وسلم: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} (الجمعة:2) ، فانتخب من نساء زمانه أوعية للعلم ونواقل للآداب، ومعينات على الطاعة، وسفيرات للنساء عند بيت النبوة الكريمة، ولكل حادثة من حوادث زواج رسول الله بهن حديث ينم عن حكمة ومقصد.
وقد قسم العلامة محمد بن علي الصابوني الحكم والمقاصد التي من أجلها تزوج رسول الله بهذا العدد من النساء إلى أربعة أقسام وهي:
الحكم التشريعية، والحكم التعليمية، والحكم الاجتماعية، والحكم السياسة (1) وسوف نتابعه في هذا التقسيم الذي لم نر من سبقه إليه، لكن سنزيد في الأمثلة والشواهد والتعليقات بحسب ما يتطلبه المقام من المقال.
أولا: الحكمة التشريعية:
(1) انظر: شبهات وأباطيل حول تعدد زوجات الرسول ص 13 [بدون بيانات النشر] .