وبفضل الله لقد خاب أملهم وانكشفت ألاعيبهم ووضحت مؤامراتهم وقد خاب من حمل ظلمًا، بعد أن سموا الجهاد إرهابًا ويسموا الاستشهاديين إرهابيين وينكرون علينا حين نقول بتفكيرنا الإسلامي أن الحرب في فلسطين حرب إسلامية وبيت المقدس جزء منا وفلسطين ليست للفلسطينيين فحسب بل هي للمسلمين، فهم يبذلون المهج والأرواح حماية لبيت المقدس برقابهم ودمائهم.
فإذن قضية العقل عندنا من الأهمية بمكان، فيوم كان للمسلمين عقول ناضجة ومفاهيم سليمة وصلت حدود الدولة الإسلامية من أواسط آسيا شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً باكتفاء ذاتي في المجتمع، وكان التصدير للعلوم والفنون بجانب الغذاء والكساء إلى البلاد الأخرى وتحقق فيهم قول الله: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ} [الأعراف: 96] ، ولذلك يقول - صلى الله عليه وسلم -: «تركتُ فيكمْ شيئينِ لنْ تضلُّوا بعدَهما كتابَ اللّهِ وسُنتي» (1) .
وفضلاً عن ذلك فالحكمة ضالة المؤمن والمسلم أحق الناس بها أنى وجدها، فهو يرحب بالصالح النافع في كل شيء، حريص على ألا يستورد العقائد الفاسدة والأخلاق الهابطة ولكنه في نفس الوقت يرحب بالعلوم والمعارف التي تخدم أهدافه وتحقق غايته؛ لأنه لا معنى لنبذها إذا كانت تفيد.
فنحن مثلاً نتمسك بمعاني الجهاد حين يعتدى على الأوطان، وتنتهك الأعراض، وتنهب الثروات؛ ولذا فإننا لا نحيد عنه ونعتز بديننا ولكن هل الاعتزاز بالدين يعني أن أرفض تعلم التكنولوجيا والصواريخ والأقمار الصناعية وأن أنقل صناعتها إلينا وأن أجتهد في تعلم أساليب الزراعة الحديثة ووسائل تنظيم الأوقات وتدريب الجيوش وكل حديث يجدد أمر ديني ولا يصطدم بثوابتي؟
وما الذي يمنع الفقيه المسلم من قبول كل وسيلة أصيلة أو مستوردة في كل
(1) انظر: فيض القدير، جـ 3