الله، فإن من الصلوات ما يضرب بها وجه صاحبها، ومن هنا قال تعالى في شأن الصلاة المقبولة: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [العنكبوت: 45] فإن الصلاة - كما قال ابن تيمية - فيها دفع لشر مكروه، وهو الفحشاء والمنكر، وفيها تحصيل لخير محبوب، وهو ذكر الله، وحصول هذا المحبوب أكبر من دفع ذلك المكروه، فإن ذكر الله عبادة الله، وعبادة القلب لله مقصودة لذاتها، وأما اندفاع الشر عنه، فهو مقصود لغيره على سبيل التبع، فإن القلب خلق يحب الحق ويريده ويطلبه، فلما عرضت له إرادة الشر طلب دفع ذلك، فإنها تفسد القلب، كما يفسد الزرع بما ينبت فيه من الدغل، ولذا قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9 - 10] ، {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى. وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: 14 - 15] .
فإذا لم تؤد الصلاة مهمتها في إيقاظ الضمير، وغرس خشية الله ومراقبته في النفس، تلك التي تؤدي إلى الانتهاء عن الفحشاء والمنكر، فإن صلاته تلك تكون صلاة بتراء ناقصة، تكون جثة هامدة تنقصها الحياة وقد جاء في بعض الآثار:"من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له".
وما قلناه في الصلاة نقوله في الصيام، فليس كل صيام يحظى بدرجة الرضا عند الله، ما لم يؤد إلى التقوى التي جعلها القرآن مرجوة بحصوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] فإذا لم يؤد إلى هذه التقوى، وصام بطنه وفرجه، ولم يصم لسانه ولا جوارحه ولا قلبه، فحري بصيامه أن يرد وأن يكون عملة زائفة، وأن ينطبق عليه ما قاله الرسول - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّوْرِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ فِيْ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» (1) وقال - عليه الصلاة والسلام: «رُبَّ صَائِمٍ
(1) رواه البخاري.