فلعل هذه عمرة التي ذكرها قيس ، وليست هي أم النعمان ، ولكن نحيزته ودِخْلَتَه تبدو في جل مروياته ، وتأبى عليه إلا أن يُعِرَّ البيوتات العربية ، وأعيانها المسلمين ، فينال من رجالهم ، ويصم نساءهم ، وقد كانت جُلُّ مروياته صناعة وتلفيقًا - كما أورد الخطيب البغدادي - حيث قال: (( حدثني أبو عبد الله ؛ الحسن بن محمد بن طباطبا العلوي ، قال: سمعت أبا محمد ؛ محمد بن الحسن بن الحسين بن النوبختي ، كان يقول: كان أبو الفرج الأصفهاني أكذَبَ النَّاس ؛ كان يشتري شيئًا كثيرًا من الصحف ، ثم تكون كل مروياته منها ) ) [1] .
فهو إذن يعمد إلى أشعار العرب ، وإلى صُحُفِهِ تلك (( فإذا وجد فيها اسمًا من أسماء النساء ، وقف عنده ، وبحث عن عمرة ، أو ليلى ، أو لبنى ، أو أي الأسماء ، فبنى عليها ما شاء من الحكايات ) ) [2] ، والأقاصيص ، ثم يضع لها الأسانيد الملفقة ، فأما اسم عائشة في أي شعر ، فهو يعني ( عنده ) : عائشة بنت طلحة ، وزينب ، يعني: زينب بنت سعد ، أو زينب ؛ أخت الحجاج ، أو ابنته ، وسُكَيْنَة ، يعني بنت الحسين ، وأما فاطمة ؛ فهي بنت عبد الملك بن مروان ، ومغامرات الشاعر الغزلي عمر بن أبي ربيعة معها ... ( كذا ) ، وأما اسم ( هند ) في أي شعر غزلي ، فهو - عنده دون توقف ولا تردد - يعني: أُمَّ معاوية ، ورَمْلَة أُخْتُهُ أو ابنته ، وهكذا ...
وهذا إن صحت نسبة الشعر إلى قائله ، ولم يكن مكذوبًا على صاحبه ومنحولًا له .
وهذا كله إذا كان السند صحيحًا ، قويًا ؛ فكيف وهو كما رأيت ؟!!
وثمة رواية تفيد حبس النعمان بن بشير الزيادة في أعطيات الكوفيين ، وقد أمر لهم بها أمير المؤمنين معاوية - رضي الله عنه - ، قال الأصفهاني [3] :
(1) تاريخ بغداد 11/398 . قال النديم في الفهرست 128: (( وأكثر تعويله في تصنيفه على الكتب ... الخ ) ).
(2) السيف اليماني في نحر أبي الفرج الأصفهاني ، 256 .
(3) الأغاني 16/37 .