وتأمل هذه الحادثة: عن أم المؤمنين عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: دَخَلَ رَهْطٌ مِنْ الْيَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ. فَفَهِمْتُهَا فَقُلْتُ: عَلَيْكُمْ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَهْلًا يَا عَائِشَةُ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ» . فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «فَقَدْ قُلْتُ وَعَلَيْكُمْ» (1) .
وعاملهم نبينا - صلى الله عليه وسلم - بالوفاء ..
فلقد قال في أُسَارَى بَدْرٍ: «لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ» (2) . قالها وفاءً له ؛ فإنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لما انصرف عن أهل الطائف ، ولم يجيبوه إلى ما دعاهم إليه من تصديقه ونصرته صار إلى حراء ، ثم بعث إلى الأخنس بن شريق ليجيره ، فقال: أنا حليف والحليف لا يجير . فبعث إلى سهيل بن عمرو ، فقال: إن بني عامر لا تجير على بني كعب . فبعث إلى المطعم بن عدي فأجابه إلى ذلك ، ثم تسلح المطعم وأهل بيته وخرجوا حتى أتوا المسجد ، ثم بعث إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أن ادخل فدخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فطاف بالبيت ، وصلى عنده ، ثم انصرف إلى منزله .
ولما ذهب حُيَي بْنُ أَخْطَب النّضْرِيّ إلى كَعْبَ بْنَ أَسَدٍ الْقُرَظِيّ الذي عاهد النبي- صلى الله عليه وسلم - أراد حيي يوم الأحزاب من كعب أن ينبذ عهده ، فكان فيما قاله له كعب:"وَيْحَك يَا حُيَيّ فَدَعْنِي وَمَا أَنَا عَلَيْهِ ؛ فَإِنّي لَمْ أَرَ مِنْ مُحَمّدٍ إلّا صِدْقًا وَوَفَاءً" (3) .
(1) / البخاري (5565) ، ومسلم (2165) .
(2) / البخاري (2906) .
(3) / سيرة ابن هشام (2/220) .