فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 251

يحدّثنا الروائي الكولومبي غابرييل ماركيز في مذكراته (عشت لأروي) عن أنّه حضر، في شبابه، عرضًا غريبًا بطله جندب كان يقوم بأداء حركات راقصة وفق إشارات من مدرّبه، وكان في نهاية العرض ينحني كأيّ نجم استعراض لتحية الجمهور وسط عواصف التصفيق.

وينتهي ماركيز إلي أنّ فنّانًا تشكيليًا كبيرًا من بين حضور هذا العرض، مدّ يده والتقط (الجندب) من جناحيه، ثمّ دسّه في فمه .. وأكَلَه!

إنّ الحياة المهنية البارعة والنهاية المأساوية لذلك (النجم) تتجاوزان كثيرًا تخوم الواقعية السحرية لتدخلا في نطاق الرسوم المتحركة، علي الرغم من أنّ الراوي يسجّل وقائع حياته التي عاشها فعلًا علي الأرض، بعيدًا عن الفنتازيا الروائية التي اعتاد أن يسطرّها علي الورق.

ولكي نصدّق أنّه لا يبالغ لا بدّ لنا أن نتذكّر أنّ ماركيز قد صرّح مرّة بأنّ ما يراه الناس غرائبيًا في كتاباته هو أقلّ بكثير من غرابة ما يجري واقعيًا في أمريكا اللاتينية.

ومثله كانت إيزابيل أللّيندي تقول إنّ من يعيش وسط أسرة كأسرتها لا يحتاج مطلقًا إلي استخدام الخيال لكي يكتب.

أعتقد أنّه وجب علينا، الآن، أن نصدّقهما دون أن نطالبهما بشهود إثبات، لأنّ ما نراه بأمّ أعيننا من وقائع تجري أمامنا يوميًا في جميع أنحاء العالم، يبدو أكثر غرابة ممّا يرويانه، بل هو - ربمّا بفضل العولمة - يمتاز بكونه خليطًا عجيبا من الواقعية السحرية والسريالية والتجريدية وأفلام الكارتون.

ونستند في ذلك، أوّل ما نستند، إلي قاعدة (القاعدة) التي تفخّخ كلّ شيء، منذ زمن طويل، لقتل الناس بلا تمييز: من توراعورا إلي الفلّوجة والعوجة إلي نيويورك إلي مدريد إلي بالي إلي الرياض إلي الدار البيضاء إلي ما شاء الرعب من بقاع الأرض .. لكنّها ما أن تصل إلي بوابة فلسطين .. حتّي تدوس كوابحها بكلّ قوّة، فتزعق عجلات قطارها بشرر التوقّف العنيف، شاكرة ربّها علي عدم تلوّث ثوبها الطاهر بدم الصهاينة الأرجاس!.

القاعدة لدي القاعدة هي الجهاد في كلّ مكان ما عدا المكان الوحيد الذي يجب أن يجاهد فيه الإنسان من أجل قضيّة واضحة وعادلة وصارخة بأن أهلها هم أكثر حاجة من غيرهم .. لغيرة أهلهم!

ومن صور هذا الخليط العجيب الذي تندهش منه الدهشة ويضحك منه البكاء، ما نشرته جريدة (السبيل) الأردنية من أن مجموعة إسلامية مجهولة قد أرسلت إليها بيانًا تدّعي فيه مسؤوليتها عن اغتيال اثنين من الغربيين في عمّان، مرفقة بيانها ب (فوارغ الرّصاصات) المستخدمة في عملية الاغتيال كدليل علي براءة المحكومين بالإعدام في هذه القضيّة.

وعندما اتّصلت الجريدة بمحامي المحكومين أفادها بأنّه، هو الآخر، قد تلقّي نسخة من ذلك البيان، ومعه أيضًا نسخة من (فوارغ الرّصاصات) !.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت