وثانيًا: إن الأخذ عن أعداء الإسلام:
والائتمار بأمرهم والاندفاع بمخططاتهم وكذلك ما حصل منهم من اختراقاتٍ لكثيرٍ من الصفوف الإسلامية في هذا الأوان؛ إن طاعة هؤلاء فيما يدبرون مصيبةٌ عظيمة. ونحن نعرف أن المصائب التي حلت بالأمة في دينها كانت أساسًا من الأخذ عن هذه العناصر الأجنبية الدخيلة على الدين، فالقدرية كانت بدعتهم من المجوس. وأخذ أهل التعطيل في أسماء الله وصفاته عن اليهود والمشركين والصابئين. وأخذ الفلاسفة والمتكلمون الذين أدخلوا علم الكلام في عقيدة هذه الأمة، أخذوا مذهبهم عن اليونان. وأخذت الحلولية الذين نشأوا في طوائف من أهل التصوف مذهبهم عن النصارى. وكذلك أخذ بعض هؤلاء المغالين ممن ينتسب إلى العبادة بدعتهم عن الهنود والنصارى.
وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها. وقد قال عليه الصلاة والسلام: إياكم والغلو. فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين. وقد كان الصحابة بالمرصاد للخوارج الذين مرقوا على حين خلافٍ بين المسلمين، فتصدّوا لهم وعلى رأسهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي تصدى لعصابة الخوارج فقاتلهم، وقتل منهم من قتل. وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. وقد كان الخوارج يكفرون مرتكب الكبيرة ويكفرون عموم المسلمين، وكفروا الصحابة رضوان الله عليهم، ولذلك كانت فتنة التكفير من الفتن التي هبت أعاصيرها على الأمة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: أيما رجلٍ مسلم أكفر رجلًا مسلمًا فإن كان كافرًا وإلا كان هو الكافر. متفقٌ عليه. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من رمى مؤمنًا بكفرٍ فهو كقتله.
قال العلماء: اعلم أن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلمٍ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يؤمن عليه إلا ببرهانٍ أوضح من شمس النهار. فإنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن من قال لأخيه: يا كافر. فقد باء بها أحدهما. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وليس لأحدٍ أن يكفر أحدًا من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة وتبين له المحجة. ومن ثبت إسلامه بيقين لا يزول عنه بالشك، بل لا يزول إلا بإقامة الحجة وإزالة الشبهة. وقد بين العلماء رحمهم الله أن الكفر إذا كان ببرهان فلا بد من بيانه لصاحبه، ولا يجوز السكوت عنه. وأن فتنة المرجئة وبدعتها الذين قالوا في مقابل الخوارج: لا يضر مع الإيمان ذنب، وهكذا سكتوا عن الكفار الأصليين وعن المرتدين من المسلمين.
وأما قضية الدماء فقد جاءت الشريعة بحفظ دماء المسلمين. وقال عليه الصلاة والسلام: لن يزال المؤمن في فسحةٍ من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا. والفسحة في الدين سعة الأعمال الصالحة. حتى إذا جاء القتل ضاقت لأنها لا تفي بوزره. وقال عليه الصلاة والسلام: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرامٌ كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا. فأعادها مرارًا ثم رفع رأسه فقال: اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت. متفقٌ عليه. وقال عليه الصلاة والسلام: لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض. قال شيخ الإسلام رحمه الله: يجب الاحتراز من تكفير