(1) قلتُ: كلام شيخ الإسلام قريب إلى الصواب، فإن كثرة ممارسة الشيء الحرام في الحياة العملية ينبأ للعوام بحلِّه، كما هو حالنا اليوم من ممارستنا للربا في كل المعاملات المصرفية والتي تسمى العوائد اليوم حتى غَدَتْ من المسَلّمات في الحياة التجارية، وبل وأخذت مجراها العادي عند الناس وكأن لسان حالهم يقول أن الربا حلال ولا حول ولا قوة إلا بالله =
وقال الشيخ عبدالفتاح أبو غدة ـ رحمه الله ـ في تحقيقه لرسالة المسترشدين ص 121:"وفي هذا الحديث بَيَّنَ النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ بين هذه الفواحش ترابطًا قويًا"
إذ كلّ واحد منها تستدعي الأخرى، فالزنى يستدعي استحلال التزين بالحرير، وهو حرام على الرجال كما يستدعي استحلال شرب الخمر، واستحلال عزف آلت اللهو، ليُزادَ بذلك عرُام الفساد في ذلك في نفوس أهله، وليؤجِّجَ ليَهيبه إذا فتر فيها انسأل الله السلامة والعافية""
ووجه الدلالة أن"المعازف"هى آلات اللهو لا خلاف بين أهل اللغة في ذلك، فدل على حرمتها بكل أنواعها إلا ما استثناه الشارع كما سيأتي إن شاء الله
قال ابن القيم الجوزي (1) :"ووجه الدلالة منه، أن المعازف هى آلات اللهو كلها، لاخلاف بين أهل اللغة في ذلك، ولو كانت حلالًا لما ذَمَّهم على استحلالها، ولما قَرَن استحلالها باستحلال الخمر والخز، فإن كان بالحاء والراء المهملتين، فهو استحلال الفروج الحرام، وإن كان بالخاء والزاى المعجمتين، فهو نوع من الحرير، غير الذي صحَّ عن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ لبسه إذ الخزُّ نوعان: أحدهما: من حرير والثاني: من صوف، وقد روي هذا الحديث بالوجهين. إنتهى"
وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الثاني:"إن في أمتي خسفًا وقذفًا ومسخًا ..."
قال ابن القيم في رسالته:"وقد توعد مستحلي المعازف فيه بأن يخسف الله بهم الأرض، ويمسخهم قردة وخنازير، وإن كان الوعيد على جميع هذه الأفعال، فلكل واحد قسط في الذم والوعيد."
قلت: وهذا غاية الوعيد على هذه الأصناف من الناس الذين تظهر فيهم المعازف والحرير والخمور بكثرة، بل جعلها النبي صلى الله عليه وسلم من المعاصي يأذن بها الله بقيام الساعة ولا حول ولا قوة إلا بالله ويؤيد هذا فيما رواه ابن حبَّان في صحيحه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لاتقوم الساعة حتى يكون في أمتي خسفُُ ومسخُُ وقذفُُ"
أما قوله:"إن في أمتي خسفًا ومسخًا وقذفًا"أى تمسخ طائفة من أمتي محمد صلى الله عليه وسلم قردة وطائفة خنازير، ويخسف بطائفة، كما دلت عليه الروايات الأخرى في معنى المسخ والقذف
رسالة في أحكام الغناء ـ تحقيق محمد حامد الفقي ـ وفي إغاثة اللهفان: ص 392 0
وتحقيق القول في ذلك، ماذكره الإمام ابن القيم في أحكام الغناء (1)