وقد استمرت النهضة العلمية بمصر على ما وصفناه إلى أوائل القرن العاشر.
فبانقراض الدولة المصرية البرجية في أوائل ذلك القرن تضاءل النشاط العلمي بمصر بل تزعزعت أركان العلم بها، وغادر هذا النشاط القطر المصري إلى أقطار أخرى، كما هو سنة الله في خلقه، فإذا قارنت رجال أواخر القرن العاشر برجال القرون الثلاثة التي سبقته، علمت مبلغ ما أصيبت به مصر من الانحطاط العظيم في العلم حين ذاك.
ثم توزعت الأقطار النشاطَ العلمي، وكان حظ إقليم الهند من هذا الميراث -منذ منتصف القرن العاشر- هو النشاطَ في علوم الحديث، فأقبل علماء الهند عليها إقبالًا كليًّا، بعد أن كانوا منصرفين إلى الفقه المجرد والعلوم النظرية.
ولو استعرضنا ما لعلماء الهند من الهمة العالية العظيمة في علوم الحديث من ذلك الحين - مدةَ ركود سائر الأقاليم: لوقع ذلك موقع الإعجاب الكلي والشكر العميق. وكم لعلمائهم من شروح ممتعة وتعليقات نافعة على الأصول الستة وغيرها، وكم لهم من مؤلفات واسعة في أحاديث الأحكام، وكم لهم من أيادٍ بيضاء في نقد الرجال، وعلل الحديث، وشرح الآثار، وتأليف مؤلفات في شتى الموضوعات. والله سبحانه هو المسؤول أن يديم نشاطهم في خدمة مذاهب أهل الحق ويوفقهم لأمثال ما وُفقوا له إلى الآن، وأن يبعث هذا النشاط في سائر الأقاليم من جديد.