ثم خلفتها - في حيازة القِدْح المُعلّى في العلوم - الدولة المصرية على اتساع ممالكها في عهد الدولتين البحرية والبرجية، وإن كان للمغرب فضل غير منكور في جميع الأدوار.
والآثارُ الباقية من الدولتين، والجامعات العلمية التي كانت الملوك والأمراء شيدوها: لم تزل ماثلةً أمامنا تنطق عن ماضٍ مجيد، ولم نزل نشاهد في التاريخ مبلغ ما كانوا يدرّون عليها من الخيرات في سبيل العلم، مع مشاطرة كثير من ملوكهم وأمرائهم العلماء في علومهم.
وها هو الظاهر برقوق يتفقه على الإمام أكمل الدين البابرتي، ويشارك المحدثين في رواية الصحيحين، ويجلب أمثال ابن أبي المجد من كبار المسندين من الأقطار النائية رغبة منه في إعلاء سند المتعلمين بمصر بسماعهم الحديث من أصحاب الأسانيد العالية.
ويفعل مثل ذلك المؤيد حيث كان هو نفسه يروي الصحيح عن الإمام البُلْقيني، بل ابن حجر سمع الحديث من المؤيد هذا، وترجم له في عداد شيوخه في (المعجم المفهرس) . وقد جلب المؤيد إلى مصر العلامة شمس الدين الديري صاحب (المسائل الشريفة في أدلة مذهب الإمام أبي حنيفة) .
وكذلك ترى الظاهر جقمق يسمع الصحيح من ابن الجزري، ويجلب كبار المسندين إلى مصر ليتلقى منهم المتعلمون بمصر مروياتهم في السنة من الصحاح والمسانيد، ويجعل القلعة المصرية مجمع هؤلاء العلماء وموضع تلقي المتعلمين لتلك الكتب من هؤلاء المسندين، تنويهًا بأمرهم وإعلاءً لشأن العلم.
وبهذه العناية والرعاية من الملوك والأمراء كانت مصر دارَ حديث وفقه وأدب في القرون الثلاثة: السابع والثامن والتاسع، وها هي كتب التاريخ قد اكتظت بتراجم رجالٍ كبار أنجبتهم مصر بكثرة بالغة في تلك العصور الذهبية، ممن لهم مؤلفات كثيرة جدًا في شتى العلوم، بحيث يعدون مفاخر الإسلام طرًّا فضلًا عن مصر، بل مآثرهم المحفوظة في خزانات العالم مما يقضي لمصر بالفخر الخالد، ومؤلفاتهم في الحديث والفقه والتاريخ خارجة عن حد الإحصاء.