العادة الشهرية، ولذلك كان الجواب بأنه أذى يخرجه الله من المرأة، وهو أذى للرجل والمرأة حين يقترب منها أثناء نزوله، أما الموضع الثانى: فإنه صالح للاحتمالات الثلاثة، وإن كان احتمال اسمى الزمان والمكان أرجح، فالأمر بالاعتزال موجّه للرجال في زمن الحيض وفى مكانه، وبذلك يكون تفصيل رسول الله لمكان الاعتزال بيانًا فقط لما أجمل في هذه الصيغة، فبمجرد انتهاء زمن الحيض يحل للرجل الاقتراب منها - كما أن المحظور على الرجل في هذه الأثناء أن يقترب من موضع خروج الدم فقط وما عدا ذلك حلال.
أرأيتم هذا الإعجاز في الإيجاز بسبب إدراك معنى الصيغ.
2 -ومن هذا الباب قوله تعالى: (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ ) [1] فإن معاجم اللغة تدل على أن القسط بفتح القاف هو الظلم والجور، وقد ورد على هذا المعنى قوله تعالى: (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا) [2] لكن هذا الفعل"قسط"إذا دخلت عليه الهمزة أفاد معنى العدل وتسمى هذه الهمزة همزة السلب والإزالة، فإن سلب الظلم هو العدل؛ فإذا قال تعالى: ( وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) [3] فهمنا أن الله يطلب منا إزالة الظلم لأنه يحب ذلك؛ وتأتى كلمة"القسط"بكسر القاف اسم مصدر من الإقساط بمعنى: إزالة الظلم أيضًا ويكون قوله تعالى: (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ) [4] بمعنى أمر بالعدل.
وبهذا المعنى الذى تدل عليه همزة السلب وردت أمثلة كثيرة عن العرب حيث يقولون: أعجمت الكتاب بمعنى أزلت عجمته، وأشكيت فلانًا بمعنى أزلت شكواه، وأقذيت عينه بمعنى أزلت القذى عنها وهكذا.
(1) سورة الأعراف - الآية 29 .
(2) سورة الجن - الآية 15 .
(3) سورة الحجرات - الآية 9 .
(4) سورة الأعراف - الآية 29 .