الصفحة 42 من 378

وقد روى ابن حنبل عن عبد الرحمن بن غزوان راوي هذا الحديث. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمر بعتقهم، وإنما أجابه على سؤاله بأن العدل الإلهي يقتضي أن يحاسب هو على ما جنى، وأن يحاسبوا هم على ما جنوا، ويقتص للمظلوم من ظالمه، ولمّا كان إيمان هذا السائل باليوم الآخر وبالحساب العادل فيه إيمانًا متيقنًا، وزاده جواب الرسول صلى الله عليه وسلم علمًا به وبالعدل الإلهي فيه، خاف على نفسه لأنه هو السيد، وخصماؤه هم العبيد، والسيد أقوى من عبده في الدنيا، وقد يكون ظلمه لهم أكثر من ظلمهم له، فما وجد مخلصًا لنفسه من ذلك إلا مفارقتهم بعتقهم، ليكسب بذلك أمرين:

الأمر الأول: وقاية نفسه من مزيد الإثم بظلمهم ماداموا بين يديه.

الأمر الثاني: كسب الأجر بعتقهم الذي قد يغفر الله له ذنوبه التي اقترفها معهم ويبقى له المزيد من الثواب.

وقد قارن أبو الأعلى المودودي رحمه الله، بين الإيمان بالآخرة وعدم الإيمان به، وبَيَّن ما يترتب على كلا الأمرين، فقال:"فالإسلام يثبت هذه العقيدة - أي عقيدة الإيمان بالله واليوم الآخر - في قلب الإنسان، فكأنه بذلك يلقي في روعه حارسًا من الشرطة الخلقية يدفعه إلى العمل، ويحثه على الائتمار بأوامر الله جل وعلا، سواء عليه أكان في الخارج من الشرطة والمحكمة والسجن ما يحمله على القيام بها أم لا، وهذا الحارس الداخلي وهذا الوازع النفسي هو الذي يشد عضد قانون الإسلام الخلقي، ويجعله نافذًا بين الناس في حقيقة الأمر، وإن كان مع ذلك من تأييد الحكم والرأي العام ما يسهل تنفيذه، فذلك أجدى وأزكى، وإلا فالحقيقة أن هذا الإيمان وحده يضمن هداية الفرد المسلم والأمة المسلمة إلى سواء الطريق، إذا كانت خالطت بشاشته قلوبهم وتغلغلت هذه العقيدة في نفوسهم تغلغلًا..." [نظام الحياة ص: 16] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت