الصفحة 30 من 378

إن الله سبحانه وتعالى أرسل رسله وأنزل كتبه، وهي تتضمن أخبارًا وأحكامًا، فأخباره كلها صدق، لا يتطرق إليها كذب، وأحكامه كلها عدل، لا يتطرق إليها ظلم، سواء منها ما تعلق بالدنيا من إخبار عما يقع فيها من المغيبات، أم ما كلفه الله الناس من التشريعات، أو ما يتعلق بالآخرة من إخبار عما أعد الله فيها جملة أو تفصيلًا، وما يجازي به تعالى خلقه من أنواع الجزاء، فإن أخباره صدق عن الدنيا والآخرة، وأحكامه عدل في الدنيا والآخرة، ولذلك قال سبحانه وتعالى عن نفسه: (( وتمت كلمة ربك صدقًا وعدلًا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم ) ) [الأنعام: 115] .

قال الفخر الرازي رحمه الله في تفسير الآية السابقة:"إن كل ما حصل في القرآن نوعان: الخبر والتكليف، أما الخبر فالمراد به كل ما أخبر الله عن وجوده أو عدمه، وأما التكليف فيدخل فيه كل أمر ونهي توجه منه سبحانه على عبده، وإذا عرفت انحصار مباحث القرآن في هذين القسمين، فنقول: قال تعالى: (( وتمت كلمة ربك صدقًا ) )إن كان من باب الخبر، (( وعدلًا ) )إن كان من باب التكاليف، وهو ضبط في غاية الحسن" [التفسير الكبير (13/161) ] .

وعدله سبحانه يقتضي أن يوفى كل عامل جزاء عمله، ويقضي لكل مظلوم من ظالمه، مهما قل العمل أو كثر، وجل العمل أو دق، فإنه تعالى قد أمر بالعدل ونهى عن الظلم، وأقام الحجة في الأرض ببيان ما هو عدل وما هو ظلم، ووعد أهل العدل بثوابه وتوعد أهل الظلم بعقابه، قال تعالى: (( إن الله يأمر بالعدل ) ) [النحل: 90] وقال تعالى: (( قل أمر ربي بالقسط ) ) [الأعراف: 29] وقال: (( وإن للذين ظلموا عذابًا دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون ) ) [الطور: 47] .

ولهذا أنذر سبحانه عباده بحسابه العادل الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، قال تعالى: (( إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما ) ) [النساء: 40] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت