تتميز الطائفة الشيعية في لبنان التي يركز عليها هذا الكتاب, بالتزام عميق ببقاء لبنان لم يتزحزح حتى عندما عقدت كفاحيتهم المكتشفة حديثًا من مهمة إصلاح النظام السياسي اللبناني الفاقد الأهلية, فلطالما برهن الشيعة عن قدرتهم على العمل على تسهيل إعادة إنتاج النظام السياسي القديم. أما إذا كان المستقبل سيجدهم يعملون على عرقلته فإن هذا يبقي واحدًا من الأسئلة الرئيسية التي تنتظر الإجابة. لكن بغض النظر عن دورهم, فمن الواضح أن حضورهم المستجد الذي اتسم حتى عهد قريب بالسكون والهدوء, سينعكس على شكل وملامح الحياة السياسية اللبنانية.
بدأت أتعرف إلى الشيعة لدى التحاقي عام 1980 بمنظمة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة (يونتسو) كمراقب عسكري غير مسلح, ولم أكن قد جازفت بالذهاب إلى لبنان بهدف دراسة سياسات الشيعة, بل لعب الحظ دوره في منحي فرصة غير معتادة للقيام بأبحاثي, فعندما التحقت باليونتسو كنت آمل أن أكون قادرًا على استخدام أوقات فراغي؛ لإجراء بحثي الميداني حول موضوع أطروحة الدكتوراة التي كنت أعدها في جامعة شيكاغو عن القومية الفلسطينية, إلا أنه بعد سنة من الدراسة المكثفة للغة العربية بما فيها اللهجة المصرية, وجدت نفسي معينًا في جنوب لبنان, حيث يعتبر حتى حديثي العهد بالعربية من الأجانب, عملة نادرة.