لقد لعبت الطائفية والتدخلات الخارجية دورًا مهمًا دون شك, إلا أن هناك عوامل أخرى لا يمكن اعتبارها فريدة في جمهورية متوسطية منكوبة الحظ كان دورها لا يقل أهمية عن ذي قبل, نشأت هذه الأزمة إلى حد كبير عن اللا مساواة الاجتماعية, والظلم والحرمان ثم فاقهما الطموح الشخصي والتقديرات السياسية الخاطئة للزعماء اللبنانيين, الذين كانوا يخلطون غالبًا بين القيادة وبين الجشع.
إن الصراع على قلب لبنان السياسي لا يمكن فهمه كمجرد تنافس على السلطة بين الطوائف اللبنانية, فالصراعات داخل كل طائفة هي على ذات المستوى من الأهمية إن لم يكن أكثر من الصراعات الأولى, فهي تعكس وجهات النظر المختلفة على ماهية لبنان الحالية واتجاهات تطوره. وتشكل حالة الشيعة نموذجًا صارخًا على ما نقول (1) , فحيث تصب جهود حركة أمل للحفاظ على وحدة دولة غير متجانسة ومعاقة يجري تحديها بشكل جدي من قبل مجموعة من الشيعة الجذريين الذين يسعون لتركيب حكم إسلامي في لبنان, ويظهر حجم هذا التحدي بوضوح عبر البيان الذي أصدره حوالي 60 عالمًا دينيًا لبنانيًا في رمضان أيار حزيران1986 يدعون فيه إلى إنشاء نظام إسلامي بوصفه علاجًا لكافة أمراض لبنان (2) .
(1) بالطبع فإن كل ما جاء في الكتاب يتحمل مسئوليته المؤلف وحده، ولقد وصل بنا الأمر إلى حد عدم وضع أغلب المصطلحات التي يستخدمها بين مزدوجين تأكيدًا على الحفاظ على واحد من الأهداف التي أملت ترجمة هذا الكتاب الاطلاع على وجهة نظر أمريكية قريبة من مركز صناعة القرار في الولايات المتحدة, بل هي إحدى مراحله.
(2) انظر: (( علماء الإسلام يعلنون الموقف الشرعي الواجب على المسلمين اتخاذه بشأن الغد ) )بيان من أربع صفحات في حزيران 1986.