بدأت الرواية سيرتها كجنس أدبي ندعوه عادة بالرومانس يتألف في تركيبه من أحداث خارقة تحدث بعيدًا عن حياة الإنسان اليومية وواقعها الذي نعيشه، والهدف منها في الدرجة الأولى هو التسلية التي تنشأ عادة من تتبع الحوادث التي تحصل في تسلسل زمني: حدث وراء حدث، وحدث قبل حدث لا يربط بينها جميعًا غير الزمن الذي يسلسلها ويجعلها تنتظم في خط زمني يخرج عن منطق الواقع والمعقول، ويكون الهدف منها، إثارة التصور وإشباع الرغبة في معرفة ما يحدث بعد كل حدث، أصبحت معرفته متوافرة، فتظل الرغبة تلح علينا في معرفة ما هو مخبوء في عالم الغيب العجيب من الحوادث المثيرة التي صنعها الكاتب من خياله جملة وتفصيلًا.
بقي الأمر على هذا الحال إلى أن برزت الطبقة الوسطى في أواسط القرن التاسع عشر نتيجة الثورة الصناعية في أوروبا. فاهتمت الرواية عندئذ بمحاكاة الواقع الذي تعيشه هذه الطبقة التي تميل دائمًا إلى أن ترى واقعها ثابتًا صلبًا محميًا من هزات التغيير، وهذا ما يسمى بالبرجوازية التي تعنى بالمحافظة على الواقع المعيش. وأصبحت الرواية في العصر الفكتوري أهم الأجناس الأدبية وسيطرت على الأجناس الأدبية الأخرى كما سيطرت الطبقة الوسطى على مؤسسات المجتمع المختلفة، وعندما امتدت رقعة المحاكاة في الرواية من تصوير مباشر لحياة الطبقة الوسطى، لا يتعدى المحلية ببعديها الزماني والمكاني، إلى تحليل دقيق لهذا الواقع يتخطى حدود المحلية ويرقى بها إلى الإنسانية والعالمية. كتّاب الصنف الأول مثل ثاكري وترولوب، وعدد كبير من أمثالهم، أصبحوا تقريبًا نسيًا منسيًا وانقضى تأثيرهم بزوال المحلية التي أسروا فنهم ضمن أبعادها. أما ديكنز وهاردي وجورج إليوت، فقد تجاوزت شهرتهم عصرهم وما زالت رواياتهم أو أغلبها تحيا بديمومة البعد الإنساني الذي يتخطى المحلية.