يشرع الكاتب في كتابة رواية، عندما يشعر بذلك السر الكوني يلح عليه في التعبير. ذكر أحد المعلقين أن كتابة رواية مثل بناء كاتدرائية، والمقصود هنا أنها بناء خاص له شكله الخاص بين الأشكال الأخرى المحيطة به، وله هيمنة تميزه عن غيره، وفوق كل هذا وذاك يجمع بين التفاصيل المعقدة المتداخلة والمترابطة مما يجعله يتطلب جهدًا فائقًا، وعندما نقول إن للرواية شكلًا متميزًا، فإننا نقصد أن الرواية تتميز عن سائر الأجناس الأدبية في أنها مزيج من تقنيات أدبية يستخدمها الكاتب دون قيد أو شرط، أي أنه لا يوجد ما يجبر الكاتب على استخدام الحوار في مكان معين دون الأمكنة الأخرى ولا يوجد ما يقيده بالانتقال من وجهة نظر إلى أخرى. فالكاتب حر في إدخال ما يريد من عناصر متنوعة إلى روايته وبالطريقة التي يراها مناسبة. وتحتوي الرواية عناصر متعددة من الرومانس والملحمة والشعر والكوميديا والتراجيديا والمسرحية بشكل عام. فالحوار مثلًا يشكّل جزءًا هامًا من الرواية، ولكن لا توجد تقنية معينة توجه الكاتب إلى سبل استخدامه وإلى مواقع هذا الاستخدام. علق أحد الروائيين مرة قائلًا: إن مشكلة الراوي تكمن في قدرته أو عدم قدرته على اختيار الزمن الذي يقص فيه قصته والزمن الذي يقول فيه ما يريد وصفًا أو تقريرًا.
إذن عندما تستحوذ على الكاتب مشكلة ذات أبعاد عميقة، فإنه لا يجد غير الرواية معينًا للتعبير، لما لها من مرونة تتسع لاستيعاب هذه الأبعاد، فواقعية الحياة لا تجد تعبيرًا شاملًا لها أكثر مما تجده في الرواية، والتفاصيل بين الحياة وواقعها في الرواية يظل فاصلًا وهميًا بسيطًا إذا قورن بما هو شبيه له في الأجناس الأدبية الأخرى، ويظل التحول من الحياة إلى الرواية أمرًا لا تعترضه تقنيات الأجناس الأدبية الأخرى وتقاليدها التي تحتّم على الكاتب وعلينا مراعاتها سلفًا.