المبحث الأول
آراء العلماء
في صور حمل المطلق على المقيد
تمهيد:
إذا ورد اللفظ مطلقًا في نص، ورد بعينه مقيدًا في نص آخر، وذلك بأن يوجد نصان في القرآن، أو نص في القرآن ونص في السنة، يذكر اللفظ في أحدهما مطلقًا، ويذكر في الآخر مقيدًا، فهل يحمل المطلق على المقيد، أم يعمل بكل منهما في موضعه الذي ورد فيه؟
اختلف الأصوليون في ذلك على رأيين:
الرأي الأول: إن حمل المطلق على المقيد هو الأصل.
وحجته في ذلك: إن النصوص الشرعية وحدة واحدة، يفسر بعضها بعضًا، فإذا ورد حكم مقيد فلابد أن يكون مقيدًا في كل موضع يذكر فيه؛ لأن مصدره واحد وهو الله سبحانه وتعالى.
فإذا وردت كلمة الرقبة على أن تحريرها مطلوب، فلابد أن تكون تلك الرقبة متحدة الجنس والوصف في كل نصوص القرآن، فإذا كانت مقيدة في أحد الموضوعات، فلابد أن تكون مقيدة في غيره لوحدة العقاب، ولوحدة منزل الكتاب، ولتآخى الأحكام وتجانسها، ولذا قال الشوكاني: «لا يخفى عليك أن اتحاد الحكم بين المطلق والمقيد يقتضي حصول التناسب بينهما بجهة الحمل، ولا يحتاج في مثل ذلك إلى هذا الاستدلال البعيد، فالحق ما ذهب إليه القائلون بالحمل» [1] .
الرأي الثاني: إن الأصل عدم حمل المطلق على المقيد، إلا إذا وجد الدليل الذي يدل على ذلك.
وحجته في ذلك: إن كل نص شرعي حجة في ذاته، فيجب العمل به كما ورد، وتقييد النص المطلق من غير دليل من ذات اللفظ أو من الحديث في موضوعه تضييق دون إذن من الشارع، كما أن حمل المطلق على المقيد يقتضي وقوع التعارض واتحاد التاريخ في النزول؛ ليكون المقيد بيانًا وتفسيرًا للمطلق عند من يقول بذلك، والتاريخ في الآيات التي وردت مطلقة يختلف عن التاريخ الذي وردت فيه الآيات المقيدة فلا يعرف السابق من اللاحق.
وكذلك على رأي من يعتبر أن التقييد إلغاء للإطلاق ونسخًا له، فكيف يتم ذلك دون معرفة السابق من اللاحق.
وإذا كان الموجب للحمل عند الجميع هو وجود التعارض بين المطلق والمقيد، فإنه يمكن حصر محل الخلاف بينهم في الأسباب المؤدية إلى تحقق التعارض بين اللفظين:
(1) إرشاد الفحول ص: 165، أصول الفقه لأبي زهرة ص: 173، 174.