الصفحة 39 من 39

فالحنفية: لم يشترطوا التساوي في العدد، فالتعارض يتحقق عندهم بمجرد وجود التساوي في القوة ثبوتًا أو دلالة سواء تساويا في العدد أم لم يتساويا، فإذا تساوى الدليلان في العدد، فلا ترجيح بينهما بكثرة الأدلة حتى لا يترك الدليل الواحد بالدليلين.

وجمهور العلماء: اشترطوا المساواة في العدد لتحقق التعارض بينهما، ولهذا فإنهم يرجحون بكثرة الأدلة.

هذا وقد اعتبر الحنفية في حكم المتساويين كل دليلين وجد بينهما تعارض وكان لأحدهما مزية على الآخر بوصف تابع، كتعارض خبر الواحد الذي يرويه عدل ففيه مع آخر يرويه عدل ليس بفقيه، وتعارض الخبر المشهور مع المتواتر.

الشرط الثاني: إن لا يعلم تأخر أحد الدليلين المتعارضين عن الآخر:

وهذا الشرط يعتبر ثمرة للشرط السابق، وذلك لأن الحنفية يشترطون لحمل المطلق على المقيد: إن لا يعلم تأخر أحدهما، فإذا علم تأخر أحدهما كان المتأخر منهما ناسخًا للمتقدم بشرط أن تتوفر في الدليلين بقية شروط النسخ [1] .

بينما يرى الجمهور أن العلم بتأخر أحد الدليلين ليس نسخًا، وإن تساويا في القوة؛ لأنهم فسروا حمل المطلق على المقيد بأنه: بيان وليس نسخ، والبيان لا يجوز تأخيره إلى وقت الحاجة [2] .

الشرط الثالث: إن لا يكون الإطلاق والتقييد في سبب الحكم:

اشترك الحنفية لحمل المطلق على المقيد: إن لا يكون الإطلاق والتقييد داخلين على سبب الحكم، وعللوا ذلك بأن حمل المطلق على المقيد لا يتحقق إلا إذا وجد التنافي بين الإطلاق والتقييد، وذلك لا يتحقق إذا كان الإطلاق والتقييد داخلين على السبب؛ لأن الشيء الواحد يجوز أن يكون له عدة أسباب يثبت بكل واحد منهما على سبيل البدل، كثبوت الملك، فإنه شيء واحد له أسباب كثيرة يثبت بها على سبيل البدل، كالميراث والوصية والهبة والبيع والشراء [3] .

أما جمهور العلماء فلم يشترطوا ذلك في حمل المطلق على المقيد، بل يكفي عندهم لحمل المطلق على المقيد اتحادهما في الحكم فقط، سواء أكان الإطلاق والتقييد في الحكم أم في السبب، وعللوا ذلك: بأن الحكم متى كان متحدًا بين المطلق والمقيد والحادثة موضوع الحكم واحد، فإن الإطلاق والتقييد عندئذ يكونان قد دخلا على شيء واحد، والشيء الواحد لا يجوز أن يكون مطلقًا ومقيدًا في آن واحد لتحقق التنافي بينهما، فدفعا لهذا التنافي يحمل المطلق على المقيد، وإن كان السبب مختلفًا [4] ، وقد سبق لنا توضيح ذلك في الصورة الخامسة.

والله أعلم.

(1) فإن قيل: لقد خالف الحنفية طرد هذه القاعدة حيث لم يجوزوا نسخ المتقدم بالمتأخر مطلقًا فالجواب: إن عدم طرد هذه القاعدة راجع إلى أن الدليل وإن كان متأخرًا فهو لا يصلح ناسخًا، كخبر الواحد والقياس، مسلم الثبوت 2/ 189.

(2) شرح تنقيح الفصول ص: 282، إرشاد الفحول ص: 175.

(3) كشف الأسرار للبخاري 2/ 295، فواتح الرحموت 1/ 367، شرح المنار وحواشيه ص: 563، 562.

(4) كشف الأسرار للبخاري 2/ 287.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت