فمنذ وضع رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم قدمَهُ فيها تحولَت المدينة من قرية لا تذكر بين حِرَارٍ سُود إلى أعظم مدينة على وجه الأرض تحمِلُ مصابِيحَ النور والهدايةِ، وترفع راية العلم والحضارة، فتَحَوَّلَ الناس فيها ومن حوْلَهَا مِن ظلمات الشِّركِ إلى نور التوحِيد، ومِنْ الشَّقاء إلى السعادة، ومن الضَّلال إلى الهدايةِ، ومن التفرق والاختلافِ إلى الوحدةِ والائتلاف، فتكوَّن فيها تحت راية رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وفي مدرسته جِيل ما عرف التاريخُ مثَله في العلْم والخلُق والشجاعةِ والعِزِّ والبطُولات، والتراحمِ والتلاحمِ والإيثَار.
وها نحن بعد أربعة عشر قرنا من الزمانِ نتفَيَّأ ظلال هذا الدِّين الوارفة في رُبى هذه المدينة الشريفة الطاهرة، نتذكرُ ذلك العهد الزاهر، ونشُمّ عَبِيْرهُ الطيِب كلما اقتربنا من سيرة سيد الخلق أفضل من مشى على الغبراء وأَظَلتْهُ السماء صلى الله عليه وسلم) (1) (.
أنا المدينة من في الكون يجهلني ؟ ! أم من يروم من الثقلين إنكاري
أنا المدينة أعلى الله منزلتي وأبهج الكون من حسني وأنواري
لا غرو إذ كنت ؛ فالوحيان قد نزلا بي واستضفت قديمًا صاحب الغارِ
وقبل ذلك بي الآيات قد لهجت فاستفتها تلق فيها صدق آثاري
إن الحديث جميل حين أذكره عني ؛ فدونك من مكنون أزهاري
لما أتاني رسول الله أيقظني من غفلة وفساد ساد أفكاري
وكان مني رجال طالما صدقوا ما عاهدوا الله في جهر وإسرارِ
وإن منهم رسول الله أفضل من يمشي على الأرض من بدو وحُضَّارِ
صلى الإله عليه كلما امتلأت بطحاء مكة من ضيف وزوارِ
هل بعد ذلك لي في الكون منقبة إذ كان أحمد من أهلي وأصهاري ؟