فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 21

و رأى آخرون أن يصلوا إحدى عشرة أو ثلاث عشرة ركعة.

و الكل جائز، و لكن لابد أن تكون الصلاة باطمئنان و خشوع و خضوع و حضور قلب، حتى تحصل الحكمة و الفائدة التي لأجلها شرعت الصلاة.

و قد أجاز العلماء الزيادة على إحدى عشرة ركعة، و اعتبروا ذلك بالزمان، فقالوا: إن من صلى تسعًا و ثلاثين ركعة في ساعتين كمن صلى إحدى عشرة في ساعتين، فيكون الأجر على قدر الزمان، لا على قدر العدد، أو كثرة الركعات.

قيام السلف رضي الله عنهم:

كانت سُنة السلف رحمهم الله أنهم يصلون هذه الصلاة في نصف الليل، أو في ثلثه؛ أي ثلاث ساعات، كلها في تهجد، فإذا كان الليل طويلًا صلوا أربع ساعات أو أكثر، و إن كان قصيرًا صلوا نحو ثلاث ساعات كلها في التراويح. هكذا كانت صلاتهم، فإما أن يقللوا عدد الركعات و يطيلوا القيام و الركوع و السجود، و إما أن يزيدوا في عدد الركعات و يخففوا الأركان، و يقللوا القراءة، حتى تكون بمقدار هذه الساعات الثلاث أو الأربع أو نحوها. و قد روى مالك و غيره أنهم أحيانًا يحيون الليل فلا ينصرفون إلا قرب الفجر بحيث يستحثون الخدم بإحضار السحور.

و لكن في هذه الأزمنة، نشاهد أن الناس قد استولى عليهم الكسل و شغلتهم أمور دنياهم، فصاروا ينظرون لمن يصلي ربع هذه الصلاة أو ثلثها، فيعدونه مكثرًا، بل يعدون القراءة المتوسطة، طويلة! و إذا قرأ إمامهم عليهم سورة فأطالها، يقول قائلهم: أطلتَ فخفِّف!!

و لا شك أن الذين يملُّون من هذه الصلاة هم الكسالى الذين لا يرغبون في هذه العبادة، ذلك أن من فضل هذه الصلاة أن يجعلها المؤمن سرور قلبه، و راحة بدنه، و ينبغي أن يجعلها المؤمن قرة عينه كما كانت قرة عين النبي صلى الله عليه و سلم.، و ينبغي للمسلم أن يجعل جنس الصلاة راحة بدنه، و شفاءه و دواءه، و أن يستعين بها على حاجاته، أليس الله تعالى يقول: (( و استعينوا بالصبر و الصلاة ) ) (البقرة:45) ؟!

و روي أن النبي صلى الله عليه و سلم كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة. فإذا دخل في الصلاة نسي همومه و غمومه، و خلي بربه، و سُرّ قلبه بأنسه بالله تعالى.

فهذه هي الحكمة من إطالة الصلاة و من الركون إليها. فالذين يستثقلون هذه الصلاة إذا صلى أحدهم في ساعة، أو نحوها أو أقل من ذلك عَدُّوا ذلك إطالة و تنفيرًا هم الكسالى مع أن هذا نقص للصلاة و عدم طمأنينة، و إخراج لها عن ماهيتها؛ فإنا مأمورون في الصلاة أن نقرأ و نرتل، و مأمورون أن لا ننقص في رمضان عن ختم القرآن مرة أو مرتين.

و لقد كان السلف رحمهم الله يقرؤون، و يزيدون في القراءة؛ فكانوا يقرؤون سورة البقرة في ثماني ركعات -و هي جزآن و نصف الجزء تقريبًا- و نحن نرى أن بعض أهل زماننا يصلي سورة البقرة في ثمانين ركعة!!

فأين الفرق بين أولئك، و هؤلاء؟!!

و نرى آخرين يقتصرون على نصف القرآن أو ثلثيه!! و لا شك أن هذا هو الكسل بعينه!

و نقول لمن يرغب أن يقتدي بنبيه صلى الله عليه و سلم، و أن يكون حقًا من أتباعه، عليه أن يأتي بهذه الصلاة بطمأنينة -سواء رغب المصلون أم لم يرغبوا- فيبين لهم أن هذه هي الصلاة التي تجزئ في القيام و هي التي حث عليها الرسول صلى الله عليه و سلم أن تكون في خشوع و اطمئنان، و هي ما كان عليه سلف هذه الأمة من الصحابة و تابعيهم رضي الله عنهم أجمعين.

فالقراءة المعتادة أن يختم القرآن في ليلة سبع و عشرين، أو نحوها. و قد أدركت أئمة يختمون في رمضان ثلاث ختمات، حيث إنهم مع أناس يحبون سماع القرآن، و يحبون الخشوع في الصلاة، و إطالتها بينما هناك أناس لا يقرؤون إلا قدرًا قليلًا من القرآن.

فإذا كنت إمامًا لأناس فعليك أن تصلي بهم الصلاة النبوية، التي تكون بها مدركًا للحكمة من هذه العبادة، محصلًا للثواب و الأجر الذي أعده الله عز و جل لمن قام الليل و تهجد، و رتل القرآن ترتيلًا.

تنبيه:

و هنا أنبه على أمر مهم لمن كان من عادته قيام الليل (أي التهجد) طوال السنة فإنه لا ينبغي له أن يقطع عادته السنوية لأن الصلاة آخر الليل مشهودة، كما ذكر ذلك النبي صلى الله عليه و سلم.

فإذا صليت أول الليل ما تيسر لك من هذه التراويح فحافظ أيضًا على صلاة آخر الليل بما تستطيعه قلّ أو كثر، و بهذا تكون محافظًا على العبادات.

و هكذا أيضًا تحافظ على السنن الرواتب -التي قبل الصلاة و بعدها- فإذا طمعت في الزيادة في هذا الوقت فلا تدخر وسعًا.

روي عن بعض السلف: أن الأعمال تضاعف في شهر رمضان، فركعة في رمضان تعدل ألف ركعة فيما سواه، و الحسنة فيه بألف حسنة فيما سواه، و الفريضة تعدل سبعين فريضة فيما سواه، و من تقرب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه. كما ذكر ذلك ابن رجب رحمه الله في وظائف رمضان.

الفصل الرابع

الاعتكاف

حقيقة الاعتكاف:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت