لو أخذ الدم فيما يسمى بالتحليل، أو التبرع لمنحه للمريض، فإذا كان هذا الدم كثيرًا فإنه يلحق بالحجامة، و أما الدم القليل بالإبرة، و ما يؤخذ للتحليل فالصحيح أنه لا يفطر لكونه ليس حجامة و لا يلحق بها.
7 -الضرب بالإبرة:
و فيه تفصيل:
فإذا كانت الحقنة مغذية و مقوية فإنها تفطر، و ذلك لقيامها مقام الطعام، و الشراب. فالمغذي هو الذي يدخل مع العروق و يقوم مقام الطعام و الشراب، و على هذا فالإبر المغذية و المقوية التي تكسب البدن قوة تفطر؛ لأنها قامت مقام الأكل و نابت عنه.
أما الإبر الأخرى التي هي إبر يسيرة للتهدئة أو لتصفية الجسم، أو ما أشبه ذلك، فالأولى و الصحيح أنها لا بأس بها للحاجة، و لا تفطر الصائم.
(ب) المفطرات المعنوية:
و كما أن على الصائم أن يمسك عن المفطرات الحسية كالأكل و الشرب و غيره، فإن عليه أيضًا أن يمسك عن المفطرات المعنوية التي تنقص الصيام، كما ورد في الحديث الشريف:"ليس الصيام عن الطعام و الشراب إنما الصيام عن اللغو و الرفث" (سبق تخريجه) .
فعلى الصائم أن يمسك عن الكلام السيئ الذي فيه مضرة على غيره و مشقة، حتى يحوز أجر الصيام كما تقدم.
ثالثًا: صيام أهل الأعذار:
إذا احتاج المرء إلى الأكل أو الشرب لمرض أو لسفر أو نحو ذلك، فإنه معذور فيأكل بقدر حاجته و يقضي كما أباح الله ذلك للمريض و للمسافر لقوله تعالى: (( فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر ) ) (البقرة:184) . و لمزيد من الفائدة فإننا نذكر بعض الأحكام الخاصة بصيام أهل الأعذار فمن ذلك:
1 -صيام المسافر.
2 -صيام المريض.
3 -صيام الكبير.
4 -صيام المرأة الحامل أو المرضع و الحائض و النفساء.
الفصل الثالث
قيام الليل
لا شك أن الصلاة من أفضل القربات، و أنها عبادة دينية لا تصلح إلا لله تعالى، و اختصت بأعمال من القربات، مثل: الركوع و السجود، و القيام و القعود، و الرفع و الخفض، و الدعاء و الابتهال، و الذكر لله، و القراءة، و غير ذلك مما اختصت به فكانت أشرف العبادات البدنية.
و لما كانت الصلاة كذلك فقد فرضها الله تعالى على عباده فريضة مستمرة طوال العام و العمر، و كررها في اليوم خمس مرات، لما لها من أكبر الأثر في حياة المسلم.
و لما كانت من أهم الأعمال و القربات لله تعالى، فقد شرع لعباده أيضًا أن يتقربوا بنوافلها. فمدح الذين يكثرون من الصلاة، و خصوصًا في الليل، فأمر نبيه صلى الله عليه و سلم بقوله: (( يا أيها المزمل * قم الليل إلا قليلًا * نصفه أو انقص منه قليلًا * أو زد عليه و رتل القرآن ترتيلًا ) ) (المزمل:1 - 4) . و قال تعالى: (( و من الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا ) ) (الإسراء:79) .
فأمر نبيه أن يتهجد من الليل بهذا القرآن، و الأمر له شريعة لأمته، فإن أمته تبع له، فهو أسوتهم و قدوتهم.
قيام النبي صلى الله عليه و سلم:
لقد امتثل النبي صلى الله عليه و سلم أمر الله تعالى: (( يا أيها المزمل * قم الليل إلا قليلًا ) ) (المزمل:1 - 2) ، فكان يقوم نصف الليل، أو ثلثه، أو نحو ذلك طوال سنته، و كان يصلي من الليل ما شاء، و يطيل في الصلاة.
و قد ثبت أنه صلى الله عليه و سلم كان يخص شهر رمضان بمزيد من الاهتمام، فقد قال صلى الله عليه و سلم:"من قام رمضان إيمانًا و احتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه". متفق عليه.
و قيام رمضان هو قيامه بالتهجد، بالصلاة ذات الخشوع، و ذات الدعاء في هذه الليالي الشريفة.
و قد حث عليه السلام أمته على هذه الصلاة، فكانوا يتقربون بها، تارة يصلونها وحدهم، و تارة يصلونها معه صلى الله عليه و سلم، فتوفي و هم يصلون أوزاعًا. يصلي في المسجد جماعة، أو ثلاث جماعات، أو أربع، و قد صلّى بهم صلى الله عليه و سلم في حياته ثلاث ليال متوالية جماعة، يصلي بهم نصف الليل أو ثلثه، أو نحو ذلك.
لكنه و بعد أن رأى حرص الصحابة على قيام الليل معه و مداومتهم على ذلك و ازدحام المسجد بهم خشي أن يُفرض عليهم ذلك القيام و الاجتماع، فيعجزون فلا يحافظون و يستمرون عليه، فأمرهم أن يصلوا فرادى في أماكنهم.
ثم إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جمعهم على هذه الصلاة التي تسمى صلاة التراويح، فجمعهم عليها لما أمن أنها لن تفرض عليهم؛ لأنه قد انقطع الوحي بوفاة النبي صلى الله عليه و سلم.
فأجمع المسلمون أهل السنة على هذا التهجد خلافًا للرافضة، و بقي كذلك إلى هذا الزمان يصلون في مساجدهم جماعة عشرين ركعة، أو ثلاث عشرة، أو ستًا و ثلاثين، أو إحدى و أربعين، على حسب اجتهادات العلماء.
فرأى بعضهم أن يصلي إحدى و أربعين ركعة كما أثر ذلك عن مالك و غيره من الأئمة.
و رأى آخرون أن يصلي سبعًا و ثلاثين في صلاة الوتر، أو تسعًا و ثلاثين، و قالوا: إن هذا يخفف على الناس، و يكون فيه قطع لليالي في الصلاة.
و رأى آخرون أن يصلي ثلاثًا و عشرين، و اختار ذلك أكثر العلماء كما حكاه الترمذي عن أكثر الأئمة.