فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 21

و لا شك أن الصيام من أسباب حصول التقوى، ذلك أن الإنسان ما دام ممسكًا في نهاره عن هذه المفطرات -التي هي الطعام و الشراب و النساء- فإنه متى دعته نفسه في نهاره إلى معصية من المعاصي رجع إلى نفسه فقال:

كيف أفعل معصية و أنا متلبس بطاعة الله؟!

بل كيف أترك المباحات و أفعل المحرمات؟!!

و لهذا ذكر العلماء أنه لا يتم الصيام بترك المباحات إلا بعد أن يتقرب العبد بترك المحرمات في كل زمان؛ و المحرمات مثل: المعاملات الربوية، و الغش، و الخداع، و كسب المال الحرام، و أخذ المال بغير حق، و نحو ذلك كالسرقة، و النهب، و هذه محرمة في كل وقت، و تزداد حرمتها مع أفضلية الزمان كشهر رمضان.

و من المحرمات كذلك: محرمات اللسان؛ كالغيبة، و النميمة، و السباب، و الشتم، و اللعن، و القذف، و ما إلى ذلك. فإن هذه كلها محرمات في كل حال، و لا يتم الصيام حقيقة، و يثاب عليه إلا مع تركها.

روى الإمام أحمد في مسنده (5/ 431) عن عبيد مولى رسول الله صلى الله عليه و سلم:"أن امرأتين صامتا فكادتا أن تموتا من العطش، فذكرتا للنبي صلى الله عليه و سلم، فأعرض عنهما، ثم ذكرتا له، فأعرض عنهما، ثم دعاهما فأمرهما أن يتقيئا فتقيئتا ملء قدح قيحًا و دمًا و صديدًا و لحمًا عبيطًا! فقال:"إن هاتين صامتا عما أحل الله، و أفطرتا على ما حرم الله عز و جل عليهما، جلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا يأكلان لحوم الناس"."

و لأجل ذلك ورد في الحديث الشريف قول النبي صلى الله عليه و سلم:"ليس الصيام من الطعام و الشراب، إنما الصيام من اللغو و الرفث" (أخرجه البيهقي في السنن الكبرى: 4/ 270) . و قال صلى الله عليه و سلم:"رب صائم حظه من صيامه الجوع و العطش، و رب قائم حظه من قيامه السهر".

و يقول بعضهم شعرًا:

إذا لم يكن في السمع مني تصاون ... و في بصري غض، و في منطقي صمت

فحظي إذن من صومي الجوع والظمأ ... و إن قلت: إني صمت يومي، فما صمت!

فلا بد أن يحفظ الصائم جوارحه.

روي عن جابر رضي الله عنه أنه قال:"إذا صمت فليصم سمعك و بصرك و لسانك عن الغيبة و النميمة، و دع أذى الجار، و ليكن عليك سكينة و وقار، و لا تجعل يوم صومك و يوم فطرك سواء" (ذكره ابن رجب في لطائف المعارف و غيره) .

فالذي يفعل الحرام و هو صائم لا شك أنه لم يتأثر بالصوم، فمن يصوم ثم يرتكب الآثام فليس من أهل التقوى، فقد ورد في الحديث قوله صلى الله عليه و سلم:"من لم يدع قول الزور و العمل به و الجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه و شرابه".

2 -حفظ الجوارح عن المعاصي:

و من حِكَمِ الصيام و فوائده أن الإنسان يحفظ وجدانه، و يحفظ جوارحه عن المعاصي، فلا يقربها، حتى يتم بذلك صيامه، و حتى يتعود بعد ذلك على البعد عن هذه المحرمات دائمًا.

فالإنسان إذا دعته نفسه إلى أن يتكلم بالزور، أو بالفجور، أو يعمل منكرًا: من سب، أو شتم، أو غير ذلك، تذكر أنه في عبادة، فقال: كيف أتقرب بهذه العبادة، و أضيف إليها معصية؟!

ليس من الإنصاف أن يكون في وقت واحد و في حالة واحدة جامعًا بين الأمرين: الطاعة و المعصية! إن معصيته قد تفسد طاعته، و تمحو ثوابها. فالإنسان مأمور أن يكون محافظًا على الطاعة في كل أوقاته، و لكن في وقت الصيام أشد.

و كثير من الناس وقوا أنفسهم في شهر رمضان ثلاثين يومًا، أو تسعة عشرين يومًا عن المحرمات، فوقاهم الله بقية أعمارهم منها.

و كثير من الناس كانوا يشربون الخمر، أو الدخان، و ما أشبه ذلك، ثم قهروا أنفسهم في هذا الشهر، و غلبوها، و فطموها عن شهواتها، و حمتهم معرفتهم لعظم هذه العبادة ألا يجمعوا معها معصية، و استمروا على ذلك الحال، محافظين على أنفسهم، إلى أن انقضت أيام الشهر و كان ذلك سببًا لتوبتهم و إقلاعهم و استمرارهم على ذلك الترك لهذه المحرمات، فكان لهم في هذا الصيام فائدة عظيمة.

و هكذا أيضًا إذا حافظ العبد على قيامه، و استمر عليه، حمله ذلك على الإكثار من تلك العبادة فإذا تعبد الإنسان بترك المفطرات، و الصيام لله تعالى، دعاه إيمانه، و دعاه يقينه، و قلبه السليم إلى أن يتقرب بغيرهما من العبادات.

فتجده طوال نهاره يحاسب نفسه ماذا عملت؟ و ماذا تزودت؟

تجده طوال يومه محافظًا على وقته لئلا يضيع بلا فائدة؛ فإذا كان جالسًا وحده انشغل بقراءة، أو بذكر، أو بدعاء، أو يتذكر آلاء الله و آياته.

و إذا كان في وقت صلاة، صلى ما كتب له من ليل أو نهار، و إن دخلت الصلاة أقبل عليها بقلبه و قالبه، و أخذ يتأمل و يتفكر ما يقول فيها؛ فيكون الصيام بذلك سببًا في كثرة الأعمال و القربات كما يكون سببًا للمنع من المحرمات.

3 -حمية للبدن:

و من حكمة الله تعالى في هذا الصيام أيضًا أن فيه حمية للبدن عن الفضلات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت