فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 21

يقول ابن كثير رحمه الله (تفسير القرآن العظيم 1/ 213) :"يقول الله تعالى مخاطبًا المؤمنين من هذه الأمة و آمرًا لهم بالصيام؛ و هو الإمساك عن الطعام و الشراب و الوقاع بنية خالصة لله عز و جل لما فيه من زكاة النفوس و طهارتها و تنقيتها من الأخلاط الردئية و الأخلاق الرذيلة، و ذكر أنه كما أوجبه عليهم فقد أوجبه على من كان قبلهم فلهم فيهم أسوة حسنة، و ليجتهد هؤلاء في أداء هذا الفرض أكمل مما فعله أولئك .. ثم قال: و الصوم فيه تزكية للبدن و تضييق لمسالك الشيطان ..."ا هـ.

لقد جاءكم شهر كريم، أوجب الله صيامه و قيامه، فمن قصر فيه فهو من الخاسرين، و من اجتهد في صيامه و قيامه كان من الرابحين.

شهر رمضان شهر البركات؛ أوله رحمة، و أوسطه مغفرة، و آخره عتق من النار، فيا له من شهر عظيم يجب علينا أن نستغل أيامه و لياليه، فالخاسر من يذهب عنه الشهر و لم يغفر له.

و لأهمية الصيام و عظم شأنه فقد قمت بجمع هذه الرسالة من محاضرات و فتاوى شيخنا العلامة عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين، ثم قمت بترتيبها و التنسيق بين موضوعاتها، ثم أضفت إليها بعض المسائل المهمة و التي أجاب عليها فضيلة الشيخ بخط يده. فجاءت رسالة شاملة مبينة لآداب الصيام و أحكامه، إضافة إلى بيان شيء من أحكام الاعتكاف و فضل العشر الأواخر من رمضان، و أحكام زكاة الفطر، و أحكام العيد ثم خاتمة في وداع الشهر الكريم.

نسأل الله أن يعيده علينا و عليكم و المسلمون في عز و نصر و تمكين، و نسأله تعالى أن يبلغنا رمضان، و أن يتقبل منّا الصيام و القيام، إنه سميع مجيب، و صلى الله على نبينا محمد و على آله و صحبه و سلم.

كتبه أبو أنس علي بن حسين أبو لوز

في: 30/ 5/1417هـ

الموافق: 12/ 10/1996م

الرياض - حي الخالدية

الرمز: 11497 - ص. ب:31271

الفصل الأول

وقفات و فوائد و آداب

أولًا: استقبال شهر رمضان:

كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يهنئ أصحابه بقدوم شهر رمضان، كما في الحديث الذي رواه سلمان رضي الله عنه أنه صلى الله عليه و سلم خطب في آخر يوم من شعبان، فقال:"قد أظلكم شهر عظيم مبارك، شهر جعل الله صيامه فريضة، و قيام ليله تطوعًا، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، من تقرب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، و من أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، و هو شهر الصبر، و الصبر ثوابه الجنة، و شهر المواساة، و شهر يزاد فيه في رزق المؤمن، من فطّر فيه صائمًا كان مغفرة لذنوبه، و عتقًا لرقبته من النار، و كان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء"قالوا: يا رسول الله، ليس كلنا يجد ما يفطر الصائم، قال:"يعطي الله هذا الأجر لمن فطر صائمًا على مذقة لبن، أو شربة ماء، أو تمرة، و من أشبع فيه صائمًا، أو من سقى فيه صائمًا سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ بعدها حتى يدخل الجنة، فاستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتين ترضون بهما ربكم، و خصلتين لا غنى بكم عنهما. أما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم: فشهادة أن لا إله إلا الله، و الاستغفار، و أما اللتان لا غنى بكم عنهما: فتسألونه الجنة، و تستعيذون به من النار" (أخرجه ابن خزيمة في صحيحه برقم 1887) .

و روي أيضًا أنه عليه الصلاة و السلام كان يفرح بقدوم رمضان، فكان إذا دخل رجب يقول:"اللهم بارك لنا في رجب و شعبان، و بلَّغنا رمضان"

و هكذا كان السلف -رحمهم الله- يفرحون به، و يدعون الله به، فكانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبله منهم، فتكون سنتهم كلها اهتمامًا برمضان.

و في حديث مرفوع رواه ابن أبي الدنيا أن النبي صلى الله عليه و سلم قال:"لو تعلم أمتي ما في رمضان لتمنت أن تكون السنة كلها رمضان".

و نشاهد الناس عامة، مطيعهم و عاصيهم، أفرادهم و جماعاتهم، يفرحون بحلول الشهر الكريم، و يظهرون جدًا و نشاطًا عندما يأتي أول الشهر؛ فنجدهم يسارعون الخُطا إلى المساجد، و يكثرون من القراءة و من الأذكار، و كذلك نجدهم يتعبدون بالكثير من العبادات في أوقات متعددة، و لكن يظهر في كثير منهم السأم و التعب بعد مدة وجيزة! فيقصِّرون، أو يخلّون في كثير من الأعمال! نسأل الله العافية.

ثانيًا: من فوائد الصيام:

إن الله سبحانه و تعالى ما شرع هذا الصيام لأجل مس الجوع و الظمأ، و ما شرع هذا الصيام لأجل أن نعذب أنفسنا، بل لابد من فوائد لهذا الصيام قد تظهر و قد تخفى على الكثير، و من هذه الفوائد:

1 -حصول التقوى:

فإن الله لما أمر بالصيام قرنه بالتقوى، كما في قول الله تعالى: (( كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ) ) (البقرة:183) ، فجعل التقوى مترتبة على الصيام.

و لكن متى تحصل التقوى للصائم؟

التقوى هي: توقِّي عذاب الله، و توقي سخطه، و أن يجعل العبد بينه و بين معصية الله حاجزًا، و وقاية، و سترًا منيعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت