فننصح من يريد نجاة نفسه أن يربأ بها عن هذه الملاهي، و أن يحرص على حفظ وقته فيما ينفعه، و أن يبتعد عن المعاصي و المخالفات، و أن لا يقلد أهل اللهو و الباطل و لو كثروا أو كبرت مكانتهم.
و قد تقدم إباحة التدرب على السلاح و تعلم الكر و الفر و ما يعين على الجهاد، كما فعل الحبشة في المسجد في يوم عيد لقصد حسن، و ليس معه غناء و لا ضرب طبول و لا قول محرم و الله أعلم.
4 -الفرح بالعيد لأنهم تركوا رمضان:
يعتقد كثير من الناس أن شرعية العيد بعد رمضان عبارة عن الفرح بخروجه و التخلص منه، لأنه يحول بينهم و بين ملذاتهم و مشتهياتهم، و يفطمهم عن عاداتهم النفسية التي مرنت عليها نفوسهم، و اعتادتها أهواؤهم طوال العام، فهم يعتبرونه شهر حبس و حيلولة بينهم و بين ما يشتهون، و قد يستشهد بعضهم بقوله تعالى: (( و حيل بينهم و بين ما يشتهون ) ) (سبأ:54) .
قال ابن رجب في لطائف المعارف في الكلام على النهي عن صوم آخر شعبان قال: و لربما ظن بعض الجهال أن الفطر قبل رمضان يراد به اغتنام الأكل لتأخذ النفوس حظها من الشهوات قبل أن تمنع من ذلك بالصيام، و لهذا يقولون هي أيام توديع للأكل، و تسمى تنحيسًا و اشتقاقه من الأيام النحسات .. و ذكر أن أصل ذلك من النصارى، فإنهم يفعلونه عند قرب صيامهم، و هذا كله خطأ و جهل ممن ظنه، و لربما لم يقتصر كثير منهم على الشهوات المباحة، بل يتعدى إلى المحرمات، و هذا هو الخسران المبين، و أنشدهم لبعضهم:
إذ العشرون من شعبان ولت ... فواصل شرب ليلك بالنهار
و لا تشرب بأقداح صغار ... فإن الوقت ضاق على الصغار
و قال آخر:
جاء شعبان منذرًا بالصيام ... فاسقياني راحًا بماء الغمام
و من كانت هذه حاله فالبهائم أعقل منه، و له نصيب من قوله تعالى: (( و لقد ذرأنا لجهنم كثيرًا من الجن و الإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ) ) (الأعراف:170) ، و ربما تكره كثير منهم بصيام رمضان، حتى إن بعض السفهاء من الشعراء كان يسبه، و كان للرشيد ابن سفيه فقال مرة شعرًا:
دعاني شهر الصوم لا كان من شهر ... و لا صمت شهرًا بعده آخر الدهر
فلو كان يعديني الأنام بقدرة ... على الشهر لاستعديت جهدي على الشهر
فأخذه داء الصرع فكان يصرع في كل يوم مرات متعددة، و مات قبل أن يدركه رمضان آخر.
و هؤلاء السفهاء يستثقلون رمضان لاستثقالهم العبادات فيه، فكثير منهم لا يصلون إلا في رمضان، و لا يجتنب كبائر الذنوب إلا فيه، فيشق على نفسه مفارقتها لمألوفها، فهو يعد الأيام و الليالي ليعود إلى المعصية، و منهم لا يقوى على الصبر عن المعاصي فهو يواقعها في رمضان أ. هـ. هكذا ذكر ابن رجب رحمه الله عن أهل زمانه و من قبلهم.
و لا شك أن الدين يزداد غربة و الأمر في شدة، و الكثير من هؤلاء الذين يتوقفون ظاهرًا عن مألوفاتهم يفرحون بانقضاء الشهر و انصرافه، فالعيد عندهم يوم فرحتهم برجوعهم إلى دنياهم و ملاهيهم و مكاسبهم المحرمة أو المكروهة، فأين هؤلاء ممن يحزنون و يستاؤون لاقضاء الشهر؟!، بل من الذين يجعلون السنة كلها صيام و قيام و عبادات و قربات، و يحمون أنفسهم عن جميع الملذات فضلًا عن المحرمات؟!! فالله يرحمهم فما مثلنا و مثلهم إلا كما قال القائل:
نزلوا بمكة في قبائل هاشم ... و نزلت بالبيداء أبعد منزل
الخاتمة
وداعًا يا شهر التوبة
ورد في الحديث أن صيام رمضان سبب لمغفرة الذنوب، و كذا قيامه، و قيام ليلة القدر، و الصحيح أن المغفرة تختص بالصغائر، لقوله صلى الله عليه و سلم:"الصلوات الخمس، و الجمعة إلى الجمعة، و رمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر"رواه مسلم و الجمهور على أن الكبائر لا بد لها من توبة.
ثم إن العبد بعد فراق رمضان و قد كُفِّرت عنه سيئاته، يجب عليه أن يحافظ على الصالحات، و يحفظ نفسه عن المحرمات، و تظهر عليه آثار هذه العبادات في بقية حياته، فذلك من علامات قبول صيامه و قيامه و قرباته، فإذا كان بعد رمضان يحب الصلوات و يحافظ على الجمع و الجماعات، و يكثر من نوافل الصلاة، و يصلي من الليل ما قدر له، و يُعِّود نفسه على الصيام تطوعًا، و يكثر من ذكر الله تعالى و دعائه و استغفاره، و تلاوة القرآن الكريم و تدبره و تعقله، و يتعاهد الصدقة، و يصل أرحامه و يبر أبويه، و يؤدي ما عليه من الحقوق لربه و للعباد، و يحفظ نفسه و يصونها عن الآثام و أنواع الجرائم، و عن جميع المعاصي و تنفر منها نفسه، و يستحضر دائمًا عظمة ربه و مراقبته و هيبته في كل حال، إذا كان كذلك بعد رمضان، فإنه دليل قبول صيامه و قيامه، و تأثره بما عمل في رمضان من الصالحات و الحسنات.