ومن الآداب المشروعة للحاج غض البصر وحفظ اللسان واستشعار عظمة الزمان وفضل المكان، فالحاج الذي يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه مشغول بنفسه وعيوبه، متذكر لخطاياه وذنوبه، مغتنم وقته بما يقربه إلى الله، لسان حاله يقول:
لنفسي أبكي لستُ أبكي لغيرها لنفسي من نفسي عن الناس شاغِلُ
فهو متجنب لفضول الكلام وسيئه، مبتعد عن الغيبة والنميمة، مترفع عن السخرية بالناس والاستهزاء بهم، حَذِر من كثرة المزاح أو الإسفاف فيه، لا يسب ولا يشتم، ولا يخاصم ولا يجادل، غاض طرفه، حافظ لبصره، سليم القلب من التشتت والتشويش، بعيد عن الفتن والبلايا، معظم لشعائر الله، كافّ عن محارمه، آمر بالمعروف حسب قدرته واستطاعته، ناه عن المنكر ما وجد إلى ذلك سبيلًا، يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، متلطف بإخوانه، صابر عليهم، يرشد الضال ويعلم الجاهل، ويواسي المحتاج ويطعم البائس.
ومن الآداب التي يجب أن يحرص عليها الحاج ليكون حجه مقبولًا المحافظة على أداء الفرائض وإتمام الواجبات، لا أن يكون همه أن يقضي نسكه كيفما اتفق له، من غير استشعار لعظمة ما يقوم به، فإن كثيرًا من الحجاج ـ هداهم الله ـ من حين أن يسافر ويفارق بلده وهو لا يفكر إلا في موعد عودته ورجوعه إليه، وكأنه قد خلّف وراءه ثغرًا لا يسده إلا هو، فيستعجل بعضهم من أجل ذلك عجلة تخل بكثير من المناسك والشعائر، فيتركونها بالكلية من غير اهتمام، أو يأتون بها على غير ما شرعه الله، فلا ينالون من حجهم والحال تلك إلا التعب والنصب. فعلى الحاج الصبر والأناة، واحتساب هذه الرحلة في ذات الله من حين أن يفكر فيها حتى يرجع إلى بيته ويضع رحله، وليعلم أنه في جهاد وعلى أجر عظيم، فلماذا العجلة والتسرع؟! ولماذا الإخلال بالعبادة وقلة الاهتمام؟!