أيها المسلمون، ونحن في هذه الأيام الشريفة المباركة أيام عشر ذي الحجة المعلومة التي هي بنص الحديث أفضل أيام السنة على الإطلاق، فإننا مطالبون بتعظيم هذه الأيام كما عظمها الله: ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32] .
وقد علمتم ـ أيها المسلمون ـ فضل هذه العشر المباركة وما يشرع للمسلم فيها من أعمال صالحة، والتي من أهمها وأفضلها حج بيت الله الحرام، أحد أركان الإسلام ودعائمه العظام، والذي وردت في فضله وبيان تكفيره الذنوب والسيئات الأحاديث الصحيحة الكثيرة، بما يثير شوق عباد الله إلى بلاد الله، ويحدوهم إلى تلك البقاع الطاهرة والمشاعر المقدسة. وقد علم المؤمنون بما هنالك من حسنات مضاعفة ودرجات مرفوعة، وسيئات مغتفرة وتوبة مقبولة، فما زالت أفئدة منهم تهوي إلى البيت الحرام، وما فتئت نفوس تتطلع إلى رؤية هذا البيت العتيق والطواف حوله والتقلب في عَرَصَات مشاعره، تقاطرت وفودهم على هذا البيت منذ أُذِّنَ فيهم بالحج، يتوافدون من كل صَوْب وفَجّ، رجالًا على أقدامهم، وركبانًا على ما سخر الله لهم، يتوافدون من كل فِجَاج الأرض القاصي منها والداني، وحناجرهم تجأر بإجابة التوحيد ونداء الإخلاص: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك.
أيها المسلمون، يا من نويتم حج بيت الله الحرام إتمامًا لأركان دينكم العظيم، أو طلبًا للأجر وتزوّدًا من التقوى، اعلموا أن للحج آدابًا عظيمة وأخلاقًا قويمة، يحسن بالحاج أن يقف عليها ويعلمها، ويجمل به أن يأخذ بها ويعض عليها بنواجِذه؛ ليكون حجه كاملًا مبرورًا وسعيه مقبولًا مشكورًا، فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ [البقرة:197] ، (( من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه ) )، (( والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ) ).