-صلى الله عليه وسلم - وأصحابه والتابعين، وكان الفقيه سُلَيْم بن أيوب الرازي يحاسِب نفسَه على الأنفاس، لا يدع وقتًا يمضي عليه بغير فائدة، إما ينسخ أو يُدَرس أو يقرأ... ولقد حدث عنه أبو الفراج الإسفراييني أنه نزل يومًا إلى داره ورجع، فقال: قد قرأتُ جزءًا في طريقي.. وكان يُحرِّك شفتيه إلى أن يَقُطَّ القلم، وقال الحسن اللؤلؤي الكوفي، صاحب أبي حنيفة -رحمه الله-غَبَرَتْ أربعين عامًا ما قِلْتُ ولا بِتُّ ولا اتكأتُ إلا والكتابُ موضوعٌ على صدري، وقال ابن النجار قرأتُ على أبي البقاء عبدالله بن الحسين العُكْبَري ( تُوفِيَّ 616هـ ) كثيرًا من مصنَّفاته، وصحبته مدَّة طويلة... وكان مُحِبًّا للاشتغال والإشغال، ليلًا ونهارًا، ما يمضي عليه ساعة إلا وواحد يقرأ عليه، أو مُطَالع له، حتى ذكر لي أنه بالليل تقرأ له زوجته في كتب الأدب وغيرها، وكان الحافظ الخطيب يمشي وفي يده جُزْءٌ يُطالعه، وكان لأبي داود السجستاني صاحب السنن كُمٌّ واسع وكمٌّ ضيِّق، فقيل له في ذلك؟ فقال: الواسع للكتب، والآخر لا يُحتاج إليه، وقال جار أبي القاسم ابن أبي منصور النحوي الحلبي المعروف بابن الحَبْرَاني ( تُوفِيَّ 628هـ ) رأيتُ ابن الحَبْراني النحوي في زمن الصيف، يقوم في الليل الأخير في سطحه، وَيَقِدُ سراجًا في موضعٍ خالٍ من الهواء، ويقعد للمطالعة وقتًا طويلًا دائمًا في كلِّ ليلة، لا يشغله الحرُّ ولا القَرُّ عن المطالعةِ والاستفادة، وحفظ الشيخ محمد بدر الدين الحسني ( تُوفِيَّ 1354هـ) الصحيحين غيبًا بأسانيدهما، ونحو 20 ألف بيت من المتون العلمية وكان شديد التشاغل بالعلم والعكوف على طلبه والانقطاع إليه، حتى بلغ من ذلك شيئًا عظيمًا،وكان يجلس في الليل ليقرأ، فإذا غلبه النُّعاس اتكأ برأسه على وسائد أُعِدت له، فأغفى ساعتين أو ثلاثًا من الليل متقطعات، ومن النهار ساعة... وكان يقرأ دائمًا لا يشغله عن القراءة إلا أن يكون نائمًا أو في صلاة أو درس، أو في طريقه من المسجد إلى البيت، ما فارق الكتب قطُّ، ولا استعان على النظر بنظارة، وقد مات حديد البصر صحيحه، وما أحبَّ في الدنيا غير الكتب... فكان يشتري الكتابَ يسمعُ به ولو كان مطبوعًا في أقصى الهند، ويشتري المخطوط ولو بوزنه ذهبًا، ولا يدع كتابًا حتى يقرأه، أو يتصفحه تصفّح المتثبِّت...وقال الشيخ علي الطنطاوي ( تُوفِيَّ 1420هـ) فأنا اليوم، وأنا بالأمس، كما كنت في الصغر، أمضي يومي أكثره