6)الافتراق والتعادي يؤكد ما يقوله المستشرقون أن العالم الإسلامي لم ينعم بالهدوء إلا صدرًا من جيل الخلافة الراشدة، وبعدها تعرضت دولة الإسلام إلى النزاعات والصراعات الداخلية التي لم تنقطع، وربما ربطوا ذلك ــ ظلمًا وزورًا ــ بطبيعة الدين نفسه، وقد اشتهرت صراعاتنا السياسية على كافة المنابر وعلى الملأ حتى شاعت مقولة: اتفق العرب على أن لا يتفقوا، والعرب رحى الإسلام ومصدر قوته..
(7) الافتراق والتعادي يحرم الأمة من محاسن الاختلاف، وهو ما يعبر عنه باختلاف التنوع، وهو ثروة علمية ضخمة تميز بها التراث الفقهي الإسلامي، تدل على قوة إبداع، وعمق تفكير، وتوفر مساحة واسعة ومتنوعة من الآراء والاجتهادات تستفيد منها الأمة في مواجهة مستجدات الحياة المعاصرة، وتنوعها، وتفاوتها من بلد إلى بلد، ومن بيئة إلى بيئة، ولقد اشتهر عن الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قوله:"ما يسرني أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا، لأنهم لو لم يختلفوا لكان الناس في شدة، فلما اختلفوا كان الناس في سعة" [1] .
(8) التنازع والتفرق يصيب البعض بالإحباط والتثبيط فينزوي بعيدا، وينكفئ على نفسه مؤثرًا السلامة كما تزيِّن له نفسه، فتُحرم الأمة من خيره وجهده وإضافاته، وربما كان أسوة سيئة، ونموذجًا سلبيًا لغيره، فيقوى تيار الانعزال والانزواء، فتجمد حركة الأمة، ويضعف رصيدها في مجال الإبداع والتقدم.
(1) جامع بيان العلم لابن عبد البر: 2/80.