وفي خطابه الذي ألقاه في مناسبة قومية سنة 2000 عبر الرئيس الراوندي عن إعجابه الشديد بالإسلام، ودهشته البالغة بعظمته وسرعته في نزع فتيل العداوة والبغضاء بين البشر!
لقد قال لي مفتي رواندا- الذي ترجم لي خطاب الرئيس-:
(كان الرئيس على وشك أن يعلن إسلامه وأنا انتظر هذا منه كل يوم)
وإذا عدنا إلى تاريخ المؤسسين للولايات المتحدة الأمريكية فسوف نجد الأمر مختلفًا جدًا:-
فالولايات المتحدة الأمريكية أسست على تناقض صارخ بين الأخلاق التطهرية (الكالفينية نموذجًا) وبين النزعة الإبادية التي ذهب ضحيتها ملايين البشر من السكان الأصليين، الأمر الذي يؤكد - وبمساعدة شواهد أخرى - أن المؤسسين استلهموا شريعة التوراة المحرفة في هذه الإبادة الوحشية، بأن ساروا على نفس المبادئ التي تدعي أن الله أمر يوشع أن يسير عليها في محاربة الفلسطينيين [1] .
وحين تشكَّلَ من المجموعات المهاجرة قوة وطنية، انتقل العنف تلقائيًا إلى مواجهة الشعوب نفسها التي قدم منها الهاجرون، ولا سيما الإنجليز، فكانت حرب الاستقلال الأمريكية ثورة البروتستنتي الأبيض على الحكومة البروتستنتية البيضاء، ومن هنا لم يكن لها أي معنى قيمي إلا اطراد مبدأ التوسع والتسلط، ذلك المبدأ المشترك بين الحكومة والمهاجرين.
ولو كانت المسألة مسألة قيم - كالحرية والديمقراطية - لكان أجدر حكومات الغرب بالطاعة هي الحكومة الإنجليزية! فهي بلا جدال أقدم الحكومات الاستعمارية ديمقراطية، وأكثرها تفهمًا للحوار، ومن غير مدح للاستعمار البريطاني: نقول إن الشعوب الأخرى المستعمَرة في العالم استبشرت بانتصار البريطانيين على البرتغاليين والأسبان لهذا السبب. فلماذا إذن ثار الفرع على الأصل؟
إن الذي أشعل فتيل الثورة هو قانون السكر الصادر سنة 1764 وضريبة الشاي، واقتتل الطرفان على ... أرض ليست حقا لأي منهمًا، ولم يكن لحقوق الإنسان من ذكر ولا أثر!!
والضلع الثالث - عدا إبادة الملايين من الشعب الأصلي ومحاربة الحكومة الأم على أساس انفصالي استعماري - هو أبشع الأضلاع التي شكلت الوجود القومي الأمريكي، وهو اصطياد البشر واستعبادهم أرقاء لمجرد أن الله خلقهم بلون آخر!!
ولا أدري لماذا فات المثقفين الستين الإشادة بالقيم الأمريكية في تحرير العبيد، مع أن هذه الدعوى تشبه دعوى القيم الكونية والحرب العادلة، في أن كلًا منهما يبرر تبريرًا متأخرًا لواقع مؤلم طويل، لا يمكن تبريره إلا إذا أمكن حجب الشمس براحة اليدين!!
(1) كما في الفصل السادس من سفر يشوع من التوراة. ومما يؤكد ذلك أن"كالفن"نفسه حكم بإحراق المصلح الديني"مييشيل سرفت"لأنه كان ينكر التثليث ويدعو للتوحيد كما أن منظمة البناي برث"احتفلت بذكرى"كالفن"باعتباره يهوديا!!"