والطَّريقه الثَّانية: هو أنَّ هذا الخبر يُروى عن قيس بن أبي حازمٍ، عن جرير بن عبد الله البَجَلي، عن النَّبيِّ - صلّى الله عليه وعلى آله - وقيس هذا مطعونٌ فيه من وجهين:
(3) فضل الاعتزال: 159
(1) ص 268 - 270.
(2) كذا في المطبوعه، وأظنُّ الصَّواب:"الحيِّز"إذ لا معنى لذكر الجبر في الموطن الثاني، أمَّا قوله الخبر في الموطن الأول فلا معنى له ولا يفهم.
أحدهما، إنَّه كان يرى رأي الخوارج، يروى أنَّه قال: منذ سمعت عليًا على منبر الكوفه يقول: أُنظروا إلى بقيَّة الأحزاب - يعني أهل النَّهروان - دخل بُغضُه قلبي، ومن دخل بغض أمير المؤمنين قلبه فأقلُّ أحواله أن لا يعتمد على قوله ولا يحتجَّ بخبره.
والثَّاني: قيل إنَّه خُولط في عقله آخر عمره، والكتبة يكتبون عنه على عادتهم في حال عدم التَّمييز، ولا ندري أنَّ هذا الخبر رواه وهو صحيح العقل أو مختلط العقل
وأمَّا الطَّريقة الثَّالثة: هو أن يُقال: إن صحَّ هذا الخبر وسلم، فأكبر ما فيه أن يكون خبرًا من أخبار الآحاد، وخبر الواحد مما لا يقتضي العلم، ومسألتنا طريقها القطع والثَّبات، وإذا صحَّت هذه الجمله بطل ما يتعلَّقون به. ثمَّ إنَّ هذا الخبر مُعارَضٌ بأخبارٍ رُويت منها ما روى (1) أبو قُلابه عن أبي ذرٍّ أنَّه قال للنَّبيِّ: هل رأيت ربك؟ فقال:"نُورٌ هُو أنَّى أرَاهُ"أي: أنورٌ هو؟ كيف أراه؟.
وقد تكفَّل الإمام أبو الحسن الأشعري (2) بردِّ الحجج العقليَّة وتأويلات المعتزله، وتوسَّع في ردِّها.
أمَّا ما استشهد به لتضعيف الحديث بتوهين قيس بن أبي حازمٍ فهو غير مُسلَّمٌ، وإن سُلِّم فإنَّ صنيع عبد الجبار يُشعر بأنَّ الحديث يدور على قيسٍ هذا، والحال ليس كذلك، إذ أنَّ ذكر قيس بن أبي حازمٍ لم يَرِد إلاّ في رواية جريرٍ، والحديث رواه غير جرير من الصَّحابة، أوصلهم الكتَّانيُّ إلى (28) صحابيًا فالحديث متواترٌ. ورواية جريرٍ أيضًا لا تدورعلىقيس عنه، إذ رواه الدَّارقُطنيُّ (3) عن يزيد بن جرير عن أبيه، وعن إبراهيم ابن أخي جريرٍ عن جرير
(1) أخرجه مسلم، الإيمان /78: 1/ 161 رقم (178) ، والتِّرمِذيُّ، تفسير القرآن /54: 5/ 396 رقم (3282) وأحمد في"المسند": 5/ 157، 171،175، وأبو عوانة